السبت , 24 أكتوبر 2026

مأمون الشناوى يكتب.. علي هامش افتتاح المتحف الكبير

( ١ ) ومازالت شكواه سارية !!

فى متحف برلين بألمانيا ، ترقد بردية فرعونية منقوش عليها ، تلك الشكوى التى بثها الفلاح المصرى { خون أنوب } من منطقة وادى النطرون ، حيث حمل علي ظهور حميره مِلحاً ، وساقها جنوباً مُتجهاً إلى [ اهناسيا ] لكيّ يبادل بالمِلح القمح !!.
وفى الطريق ، عند إحدى القرى ، كان يقف { نخت } وهو موظف صغير يعمل عند مدير المقاطعة ، ويبدو أنه كان من كوادر [ الحزب الوطنى الفرعونى ] ، حيث أراد أن يُجامل مُديره ويُنافقه كما تعود ، فتحايل حتى استولى على حمير الفلاح وحمولتها من المِلح ، بحجة أن الحمير قد أكلت من قمحه ، ولما احتج الفلاح ، قطع الموظف الصغير الحقير غُصناً من شجرة ، وانهال به ضرباً عليه ، قائلاً له : ( لاترفع صوتك يافلاح ، انتبه ، وإلا سيكون مصيرك مقر سيد الصمت ، أى الموت ) ، فقال له الفلاح : ( تضربنى ، وتسرق متاعى ، ثم تسحب الشكوى من فمى ) !! .
ويبدو أن هذا هو قانون السلطة الحاكمة مع الفلاح المصرى في كل زمان ، ضربه أو حبسه أو قمعه ، بعد حرمانه من حقه [ توريد الأرز / تسليم القمح / تسويق القطن / زراعة القصب ] ، ثم كتم أنفاسه إذا ما اشتكى !! .
وذهب الفلاح المصري { خون أنوب } إلى المدير المسؤول ، يشكو إليه ، وظل يتردد علي باب سعادته لمدة عشرة أيام متتالية ، ولكن هذا لم يعبأ به !! .
فاضطر – أخيراً – إلى أن يتوجه إلى رئيس الديوان الفرعونى ، وأظنه كان { زكريا عزمى } أيضاً ، ولكن بالهيروغليفية ، لكنهم ينادونه { رنسى – مرو } حيث قدم له تسع شكايا ، اتسمت بالفصاحة والبلاغة ، فحفطها التاريخ فى صدره حتى اليوم ، وعرفت ب[ شكوى الفلاح الفصيح ] !! .
ومما ورد فيها قوله : ( أقم العدل ، أنت ، يامَن يمتدحه المداحون ، اكشف عنى الضر ، فإنى أحمل أثقالاً فوق أثقال ) !! .
ومنها قوله : ( نفذ العقاب فيمن يستحق العقاب ، وكُن كالميزان ، لاتميل عارضته ، واعلم أن الأبدية تقترب منك ) !! .
وقوله : ( حسبتك كالفيضان يخلق المراعى الخضراء ، لكنك مثل الجفاف تزيد من الأرض القاحلة ) !! .
وقوله : ( إذا أنت ظلمتنى ، فقد ضيّعت جُندك ! ) ! .
وقد كان هذا الفلاح الفصيح يعنى ذلك { الفرعون } المتربع على عرش مصر بشكاياته تلك !!.
ويا هلتري ، شكوي فلاحنا المصري الفصيح تلك ، والتي قدمها للفرعون منذ أربعة آلاف عام ، قد زالت أسبابها ، واستجاب لها الفرعون ، أم تراها باقية بقاء هذا الفلاح التعيس !!.

شاهد أيضاً

سيد الرشيدي يكتب .. الحسين والسيد البدوي بين جلال التاريخ وعشوائية الموروث

حين نمشي في رحاب القاهرة الفاطمية، وحين تتناهى إلى أسماعنا أصداء التاريخ العريق المتمثل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *