( ١ ) ومازالت شكواه سارية !!
فى متحف برلين بألمانيا ، ترقد بردية فرعونية منقوش عليها ، تلك الشكوى التى بثها الفلاح المصرى { خون أنوب } من منطقة وادى النطرون ، حيث حمل علي ظهور حميره مِلحاً ، وساقها جنوباً مُتجهاً إلى [ اهناسيا ] لكيّ يبادل بالمِلح القمح !!.
وفى الطريق ، عند إحدى القرى ، كان يقف { نخت } وهو موظف صغير يعمل عند مدير المقاطعة ، ويبدو أنه كان من كوادر [ الحزب الوطنى الفرعونى ] ، حيث أراد أن يُجامل مُديره ويُنافقه كما تعود ، فتحايل حتى استولى على حمير الفلاح وحمولتها من المِلح ، بحجة أن الحمير قد أكلت من قمحه ، ولما احتج الفلاح ، قطع الموظف الصغير الحقير غُصناً من شجرة ، وانهال به ضرباً عليه ، قائلاً له : ( لاترفع صوتك يافلاح ، انتبه ، وإلا سيكون مصيرك مقر سيد الصمت ، أى الموت ) ، فقال له الفلاح : ( تضربنى ، وتسرق متاعى ، ثم تسحب الشكوى من فمى ) !! .
ويبدو أن هذا هو قانون السلطة الحاكمة مع الفلاح المصرى في كل زمان ، ضربه أو حبسه أو قمعه ، بعد حرمانه من حقه [ توريد الأرز / تسليم القمح / تسويق القطن / زراعة القصب ] ، ثم كتم أنفاسه إذا ما اشتكى !! .
وذهب الفلاح المصري { خون أنوب } إلى المدير المسؤول ، يشكو إليه ، وظل يتردد علي باب سعادته لمدة عشرة أيام متتالية ، ولكن هذا لم يعبأ به !! .
فاضطر – أخيراً – إلى أن يتوجه إلى رئيس الديوان الفرعونى ، وأظنه كان { زكريا عزمى } أيضاً ، ولكن بالهيروغليفية ، لكنهم ينادونه { رنسى – مرو } حيث قدم له تسع شكايا ، اتسمت بالفصاحة والبلاغة ، فحفطها التاريخ فى صدره حتى اليوم ، وعرفت ب[ شكوى الفلاح الفصيح ] !! .
ومما ورد فيها قوله : ( أقم العدل ، أنت ، يامَن يمتدحه المداحون ، اكشف عنى الضر ، فإنى أحمل أثقالاً فوق أثقال ) !! .
ومنها قوله : ( نفذ العقاب فيمن يستحق العقاب ، وكُن كالميزان ، لاتميل عارضته ، واعلم أن الأبدية تقترب منك ) !! .
وقوله : ( حسبتك كالفيضان يخلق المراعى الخضراء ، لكنك مثل الجفاف تزيد من الأرض القاحلة ) !! .
وقوله : ( إذا أنت ظلمتنى ، فقد ضيّعت جُندك ! ) ! .
وقد كان هذا الفلاح الفصيح يعنى ذلك { الفرعون } المتربع على عرش مصر بشكاياته تلك !!.
ويا هلتري ، شكوي فلاحنا المصري الفصيح تلك ، والتي قدمها للفرعون منذ أربعة آلاف عام ، قد زالت أسبابها ، واستجاب لها الفرعون ، أم تراها باقية بقاء هذا الفلاح التعيس !!.










