لا يمكن الفصل الدقيق بين النقد الأدبي والنقد التطبيقي للعرض المسرحي لأن النص الأدبي للمسرحية هو أساس العرض المسرحي وفي البدء كانت الكلمة أي النص، ولذا فإنهما متداخلان
النقد البنيوي: يركز على تحليل البنية الداخلية للنص الأدبي، بما في ذلك اللغة والرموز والأسلوب والتركيب.
النقد البنيوي في المسرح :يرتكز على البنية التي ظهر عليها العرض المسرحي إذ تم فيها تداول النص وصناعته وإبداعه كعرض من خلال فن تشكيل الصورة المسرحية ( السينوغرافيا وعناصرها من صوامت ( ديكور إكسسوارت أزياء إضاءة ماكياج ) ونواطق ( صوتيات الحوار الموسيقى المؤثرات الصوتية الأغاني ) الحركات ( أداء الممثل ، الرقصات والاستعراضات ) ، أي تحليل العملية الإخراجية ككل ، وما تتضمنه من علامات ( سيميائيات) تنتج معاني تفتح الباب للتأويلات والترجمة التفسيرية للنص ( الهرمنيوطيقا) يتصدى لها الناقد واضعا تساؤلات أساسية رئيسة .
هل تناسبت تلك المفردات في إنتاج عرض متوازن بين المضمون النص وصورته وخاصة بعد تفشي ظاهرة الاهتمام بالصورة المسرحية خاصة بعد تطور تقنياتها ما يدفع صناع العروض إلى الشغف بها والإقبال والتوسع في استخداماتها على حساب المضمون لتصبح نوعا من استعراض حرفية استخدامها والإبهار بها دون الاهتمام بمضمون العمل مولدة تناقضا يطيح بقيمة العرض فنيا فكريا .
إذن البنيوية: ترى أن العمل المسرحي بنية متكاملة من ( السيميائيات)العلامات والرموز التي تتفاعل مع بعضها لإنتاج المعنى من خلال سرد خطي يراعي التطور الطبيعي للأحداث أو دائري ( نهاية العرض تنتهي إلى نقطة بدايته).
ويشمل هذا التحليل النقدي للعرض جوانب عدة فيدمج بين النقد الاجتماعي ( طبيعة العلاقات والصراع داخل النص) ، والوجودي ( موضوعات الوجود الإنساني مثل الخوف والحرية والهوية والنسوية ) ، والتاريخي (تأثير السياسة والاقتصاد )، والنقد الأخلاقي والفلسفي ( القيم التي يتضمنها العرض ورسالته ككل ).
والتحدي الصعب الحقيقي في الاتجاه الجديد للتناول النقدي للعرض مجردا، أي من حيث هو والآن، بحيث يركز على نص العرض كعمل فني مستقل، ويتجاهل العوامل الخارجية مثل حياة المؤلف أو السياق الاجتماعي.
أما ما بعد البنيوية: تشكك في وجود معنى ثابت ومستقر للنص، وتركز على دور المتلقي في بناء المعنى وتأويله، حيث يمكن أن تكون هناك قراءات متعددة ومختلفة للعمل الواحد.
وفي رأيي أن هناك بشكل عام معني متفق عليه للعرض، ولكن إدراكه والوقوف على معانيه يختلف من متلق لآخر حسب درجة تنبهه ويقظته وثقافته، فكل يرى العرض بصورة عامة تختلف في تفصيلات تلقيها باختلاف الأشخاص.
وطبعا النقد الواعي يضع بداهة نصب عينيه أهمية وتتبع ورصد استجابة المتلقي للنص الأدبي ونص العرض والتأثير فيه وتفاعله معه.
الركائز الأساسية للتحليل البنيوي
تحليل عميق لبنية النص أو العرض المسرحي من حيث الفكرة الرئيسية وترابطها والأفكار الثانوية ، الحبكة ، الصراع، الزمان ، المكان ، الشخصيات وعلاقتها ببعضها البعض ، الحوار الرموز وما تنتجه من معان ودلالات تختلف في دقة تناولها وإدراكها على حسب ثقافة وتنبه ووعي المتلقي) وطبعا نتيجة للتحليل البنيوي للنص يحدد مدى تطابق وترابط الشكل والمضمون ، أو عدم تناسقهما وتنافرهما، ومن ثم الحكم عل نجاح النص الأدبي أو نص العرض بناء على دقة التناول التحليلي لكل تلك العناصر ، ونؤكد أيضا على رصد الناقد وتحليله لدرجة ومدى تفاعلية القراء مع النص ، أو الجمهور مع العرض المسرحي.
التفكيكية في المسرح
التفكيكية في المسرح هي استراتيجية نقدية تهدف إلى تقويض وتفكيك البنية التقليدية للنصوص والعروض المسرحية من أجل كشف المعاني الخفية، والتناقضات، والافتراضات المسبقة التي تُبنَى عليها. نشأت التفكيكية كمنهج فلسفي في فترة ما بعد الحداثة على يد الفيلسوف جاك دريدا، وانتقلت لتُطبَّق في الفنون المختلفة، بما في ذلك المسرح، في النصف الثاني من القرن العشرين.
تتفق مع البنيوية في تحليل كل عناصر العرض للكشف عما يحتويه النص الأدبي أو نص العرض من ( سيميائيات) علامات ورموز أو دلالات منتجة لمعان ما يفتح الباب للتأويل والتفسير.
والتفكيكية عبارة عن محاولة إثارة معاني جديدة للنص تختلف عن معاني قصدها كاتبه ما يدلل على عدم استقرار اللغة، وعدم ثبات المعاني ،سعيا لخلق قراءات جديدة للنص أو العرض بغية تحقيق تفاعلية أكثر وأكثر، بيد أن الواقع التطبيقي كشف في الغالب أن تشطي تلك العروض التي تحمل سمات تجريبية فقدت تواصها مع الجمهور العادي فانصرف عنها نفورا وضجرا بينما استولت على اهتمام النخبة من المسرحيين ، ما زاد في عزلة المسرح ليتشظى الجميع نخبة ونقادا وعروض وجمهور وليس نصا ولا عرضا فقط ، أطاحت اللاخطية في السرد بقدرة المتابعة لدي الجمهور ،سعيا نحو التعقيد السردي المشتت لتصير التفككية مرادفة للتشظي وتحويل العرض أو النص إلى أشلاء وفقدان للشكل المتفق عليه والقوالب التقليدية والراسخة في الأذهان لتصبح مثار النخبة ونفور الجمهور ، إذ لا تسمح له بالوقوف على المعاني أو تدبرها وعلاماتها المجهدة للذهن عارية الدلالات، وخاصة عندما يستعين المخرج التفكيكي بعناصر تراثية أو شعبية، ثم يعمل على تفكيكها لتعرية دلالاتها المألوفة وإعادة بنائها في سياق جديد ،ولا تدفع المتلقي للمتابعة بشغف وترقب بل تحدث ليه مثلا وضجرا تدفعه إلى مغادرة القاعة ساخطا متذمرا حيث اللا زمان واللامكان، واللا صوت واحد واللاحبكة غير المتقنة واللا مترابطة، واضطراب الفكرة الرئيسة المقلقلة الغامضة ، مع التركيز على الأداء الجسدي ولغة الجسد لإنتاج المعنى مما يقلص الحوار مع تعرية الدلالات.
وتحت جناح التفكيكية تم تناول عروضا كثيرة شهيرة لشكسبير وألفريد فرج وغيرهم بطريقة عصرية تفكيكية حفلت باهتمام النحبة ولم تلق في الغالب رواجا لدى الجمهور.
ويلجأ مخرجو العروض ونقاد الأقلام المأجورة إلى التخفي وراء الأكاذيب والادعاءات بوصف العروض الفاشلة جماهيريا بأنها تفكيكية وتجريبية مع الطعن في ذوق الجمهور وذائقته ودرجة نضجه المعرفي والثقافي، ليهرب الجمهور ويفقد اهتمامه بالمسرح وتستمر ظاهرة العروض الخالية من الجمهور.










