الإخبارية وكالات
قبل ألفَي عام قرّر القيصر فسباسيان فرض ضريبة على المراحيض العامة. فجاء ابنه تيتوس، مدمّر الهيكل، ليشتكي لوالده: “بالغتَ… ضريبة على التبوّل؟”. عندها رفع فسباسيان حفنة نقود وسأل ابنه: “هل لها رائحة؟”. لم يُجب تيتوس. بالضبط، قال القيصر — المال لا رائحة له.
كذلك الحال عند “القيصر” دونالد ترامب؛ فالمال لا رائحة له — لا رائحة الصحفي خاشقجي ولا أحداث 11 سبتمبر. تريليون دولار من الاستثمارات في الولايات المتحدة يعني عدداً كبيراً من فرص العمل للأميركيين، وهذا قبل أن نبدأ الحديث عن أماكن العمل المخصّصة لعائلة ترامب ومساعديه، ممن يرتبطون بأعمال واسعة في السعودية.
لذلك، إلى جانب الاستقبال الملكي الذي يحظى به محمد بن سلمان قبل أن يصبح ملكاً، يحصل أيضاً على استجابة إيجابية لقائمة طويلة من الطلبات تشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي، الطاقة النووية المدنية، كميات كبيرة من السلاح، وفي مقدمتها مقاتلات F-35، إضافة إلى رفع مكانة السعودية إلى “حليف رئيسي من خارج الناتو” — وهو وضع يعني شراكة استراتيجية دون أن يصل إلى مستوى معاهدة دفاعية.
في إسرائيل كانت هناك آمال بأن يُربط كل هذا الخير بشرط بدء التطبيع، لكن ما جرى هو إيجاد مسار التفافي مُغطّى بالريال السعودي المُحوَّل إلى مليارات الدولارات.
هل تخلى هذا الإدارة المقرّبة من إسرائيل عنا؟
إسرائيل فقدت رافعتين مهمتين كانتا لديها في عهد بايدن. الأولى: نفوذها في الكونغرس؛ إذ كانت قادرة في عهد إدارة ديمقراطية على اجتذاب مشرّعين جمهوريين لدعم معاهدة دفاع كانت السعودية ترغب بها بشدة. الرافعة الثانية — وبشكل مفارِق — هي الضربة التي وجّهناها لإيران. فإيران الضعيفة تشكل تهديداً أقل للسعوديين، وبالتالي يصبح الارتباط بإسرائيل أقل إلحاحاً.
كما أن حرب غزة، التي لم تنتهِ بعد، تُعتبر عبئاً بالنسبة للسعوديين، وخاصة أمام الرأي العام في العالم الإسلامي. ولهذا يفضّل السعوديون حالياً الدفع بـ”عملة خفيفة” بالنسبة لهم — الدولار — وليس بـ”العملة الثقيلة” وهي التطبيع. أمّا إسرائيل، فترى أنها دفعت ثمناً ثقيلاً، من إنجازات عسكرية كبرى ضد إيران، إلى نص إشكالي في قرار مجلس الأمن بشأن “المسار نحو دولة فلسطينية”، متضمناً الإشارة إلى المبادرة الفرنسية-السعودية التي تُعتبر معيبة — وعن حق.
هل يجب أن نقلق مما يحصل عليه السعوديون؟
بشكل عام لا، بشرط ضمان عدة أمور:
الطاقة النووية المدنية للسعودية — إذا جاءت وفق النموذج الإماراتي، تحت رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن دون تخصيب داخل أراضي المملكة — فهو نموذج يمكن لإسرائيل التعايش معه.
وكذلك الأمر بالنسبة لمقاتلات F-35، رغم تعهّد ترامب بأن يحصلوا على النسخة التي حصلت عليها إسرائيل. في النهاية، فإن المنظومة الكاملة لن تكون متطابقة، وسيُطلب من السعوديين الالتزام بسلسلة شروط صارمة، خصوصاً فك الارتباط عن الصين. للتذكير، الإمارات — التي وُعدت بهذه الطائرة قبل خمس سنوات عند توقيع اتفاقيات إبراهيم — ما زالت تنتظرها. وبطبيعة الحال، تحتاج إسرائيل إلى أن تدخل إلى المفاوضات مع قائمة طلبات عسكرية من واشنطن تُبقي على تفوّقها النوعي.
إلى أي حد نحتاج التطبيع مع السعودية؟ بكلمة واحدة: جداً.
ليس فقط لأنه سيفتح الباب لدول أخرى لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بل لأن الشرق الأوسط يعاد تشكيله الآن، ولإسرائيل مصلحة ضخمة في التعاون مع السعوديين في لبنان وسوريا وغزة، وموازنة نفوذ دول الإخوان المسلمين مثل تركيا وقطر.
الرئيس ترامب، الذي تُعد منطقة الشرق الأوسط واتفاقيات إبراهيم أبرز إنجازاته في السياسة الخارجية، يدرك ذلك جيداً. لم يتخلَّ عن رغبته في توسيع الاتفاقيات، ويعرف أن الطريق تمر عبر الرياض. أمّا ولي العهد، فلا يريد التقدّم في هذا المسار قبل الانتخابات الإسرائيلية، حتى لا يبدو كأنه يمنح هدايا لنتنياهو. كما أنه يستخدم ذريعة كونه “ما يزال ولياً للعهد”، بينما صاحب القرار — والده الملك البالغ 90 عاماً — أقل حماساً لهذه الخطوة.
ورغم ذلك، فإن الشرق الأوسط يعاد تشكيله الآن، وعلى إسرائيل أن تشرع فوراً — من وراء الكواليس — في العمل مع السعوديين قدر المستطاع. لقد نجحنا في الملف الإيراني، ومن المهم توسيع التعاون إلى ساحات إضافية، حتى لو انتظر التطبيع عاماً آخر.
إلى أن يحين ذلك، يمكن لنوڤا كيريل أن تكتب أغنية جديدة لترامب بعنوان: “كيف أبدو؟ تريليون دولار.”










