حكي اللواء جمال القاضى: وقال كان صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة يقود سيارته الچيب متجهاً إلى منشية البكرى لحضور أحد الاجتماعات المهمة، وأثناء مروره فى ميدان باب الحديد فوجئ بسيارة يقودها رجل وتجلس خلفه سيدة حسناء، ولاحظ صلاح سالم انحراف السيارة حتى احتكت بسيارته.. فتوقف صلاح سالم وصاح فى السائق: مش تحاسبوا؟!
وفوجئ سالم بسائق السيارة يوجه له بعض الشتائم ثم انطلق بالسيارة!..
وطاش رأس صلاح سالم..
فانطلق بسيارته خلفه كما الصاروخ، وظل فى تعقبه إلى أن وصلت السيارة إلى محل إسمه الزعبلاوى، وهو من أشهر محلات الكراسى الحديدية..
نزلت السيدة من السيارة ودخلت المحل، ونزل سالم من السيارة ولحق بها وعاتبها على قلة أدب سائقها..
المدهش بدلاً من الاعتذار إليه فوجئ سالم بها تشتمه أيضاً!
وفقد صلاح أعصابه تماماً وصفعها على وجهها بكل ما أوتى من قوة!
وحتى هذه اللحظة لم تكن السيدة تعرف أنها شتمت عضو مجلس قيادة الثورة، ولا هو يعرف هذه السيدة التى كانت نعيمة عاكف الممثلة وأشهر راقصة..
وفوجئ سالم بالسيدة وهى تحاول الإمساك به وضربه، وأسرع الزبائن الموجودين وصاحب المحل لتهدئتهم، وعرف صاحب المحل صلاح سالم فذهب إلى نعيمة عاكف يقول بارتياع: هتودى نفسك فى داهية ده صلاح سالم بتاع الثورة يا ست نعيمة!
وانهارت نعيمة وبكت، وحاول الزبائن الموجودين الاعتداء عليها بعد أن عرفوا شخصية الرجل!.. لكن سالم صاح فيهم جميعاً وأمرهم بالانصراف..
وانتحى سالم جانباً بالتليفون الموجود بالمحل وطلبنى..
وسرعان ما صاح ويكاد صوته ينفجر من الغضب والصراخ: أنا اتهنت والثورة اتهانت من الست دى، وانا بكلمك من محل الزعبلاوى!
طيبت خاطره وحاولت تهدئته وقلت: أنا جايلك حالاً..
وذهبت إليه وكان مازال غاضباً وقلت له: سيبلى الموضوع خالص وأنا هتصرف.
واتصلت بأحمد أنور بإدارة البوليس الحربى ورويت ما حدث فقال لى: اتصرف بما يرضى صلاح سالم يا جمال!
فى اليوم التالى أرسلت سيارة من البوليس الحربى لإحضارها بمفردها، وعندما وصلت القوة لبيتها أراد زوجها المخرج حسين فوزى الحضور معها لكنى رفضت ذلك بحزم.
وعند وصولنا وضعناها بحجرة رئيس المباحث الجنائية الذى كان فى مأمورية، وظلت نعيمة جالسة وحدها تبكى بانهيار..
دخلت عليها الحجرة وقلت: صباح الخير يا ست نعيمة..
ومن وسط دموعها ردت: صباح النور يا سعادة البيه، والله ما كنت أعرف إن ده صلاح سالم.
قلت: حضرتك غلطتى فى الصاغ صلاح سالم وده عضو مجلس قيادة الثورة وله سلطة السيادة وهو مصمم على تقديمك للمحاكمة واحنا بنتحايل عليه لكنه مصمم!
وازداد بكاؤها وهى تقول: يا سعادة البيه اللى ما يعرفك يجهلك انا مكنتش اعرف.. سواقى اللى شتمه ولما سعادة البيه حاول يوقف عربيتنا ونزل ورايا المحل افتكرته واحد قليل أدب جاى يعاكسنى وحصل اللى حصل!
قلت محاولاً طمأنتها: إحنا هنسيب الموضوع شوية لغاية ما صلاح يهدى والمشكلة هتتحل.
قالت: طب اقدر امشى دلوقتى؟
قلت: لا.. هتفضلى شوية لما نشوف هنعمل ايه..
وأرسلنا لشراء بعشرة قروش كباب لتأكل فرفضت بشدة.
كانت الساعة الرابعة عصراً، وكان مجلس قيادة الثورة مجتمعاً بكامل أعضائه وخطرت لى فكرة الخروج من هذا المأزق الغريب، وطلبت من نعيمة عاكف أن تكتب اعتذارا ً لسالم وأذهب به إلى مقر الإجتماع، وربما يضغط الأعضاء على سالم فيتنازل عن المحاكمة، وفوجئت بها أنها لا تعرف الكتابة!
واقترحت عليها أن أمسك بيدها ونكتبه على الورقة بتحريك يدها وهى تصيغ اعتذارها وفعلاً كتبت: عزيزى صلاح سالم بكل دقة فى قلبى وكل شعرة فى رمش عينى أنا بعتذرلك وبقولك أنا آسفة جداً وحقك عليا وماتزعلش منى، ويا بخت من قدر وعفى وسامح، والترضية اللى تؤمرنى بيها انا تحت أمرك، ومرة تانية بعتذر وارجوك تسامحنى.
ولم أتمالك نفسى من الضحك.. فالرسالة أشبه برسالة غرامية! لكنى أخذت الورقة وذهبت فوراً إلى اجتماع القيادة، وكانت هناك تعليمات للحرس بأن أدخل فوراً أى اجتماع.
ودخلت الإجتماع فوجدت الرئيس جمال عبد الناصر وبجواره عبدالحكيم وجمال وصلاح سالم، وعندما رآنى عبدالناصر سألنى إيه الموضوع؟
فحكيت له موضوع نعيمة عاكف.
وبعد ان انتهيت ،قلت له هامساً: نعيمة كاتبة اعتذار لصلاح سالم ياريت سيادتك تعطيهوله عشان يفرج عنها!
واندهش عبدالناصر: هى محبوسة عندك؟!
قلت: آه يا افندم.. فقال: أفرج عنها فوراً..
وأعطيته الجواب وقرأه عبدالناصر وفجأة ضحك بشدة ضحكات صادرة من أعماق قلبه، وأثارت ضحكاته دهشة باقى الأعضاء فسأله عامر: بتضحك على أيه يا ريس؟!
فقال جمال: خد اقرا الجواب ده!
وما أن قرأه عامر حتى ضحك بهيستيرية هو الآخر، وكل من أخذ الجواب يضحك بشدة إلا صلاح سالم الوحيد الذى ما أن قرأ الجواب حتى نظر ناحيتى والشرر يتطاير من عينيه خلف النظارة قبل أن يشتمنى ويصيح: ايه الكلام الفارغ ده يا قاضى؟ تقطع اجتماعنا عشان الكلام الفارغ بتاع الست نعيمة؟!
ورغم احتجاجه كان كل الأعضاء غارقون فى الضحك..
وفجأة بلا سابق إنذار وجدنا سالم يشاركنا الضحك!..
وهنا قال عبدالناصر: خلاص بقى يا صلاح.. الست اعتذرتلك وبتستحلفك بكل شعرة فى رموش عينيها!
وازداد ضحك الأعضاء، ونظر لى الرئيس جمال عبد الناصر منهياً الموضوع: نعيمة تخرج فوراً وتروح!.










