أيها الغلاء أقبلتَ فرفعتَ الأثمان، وضاعفتَ الأرقام، وأثقلتَ كواهل العباد. طاولتَ الخبز فارتفع، ونازلتَ الدواء فامتنع، وزاحمتَ الراتب فتضاءل. غير أنك رغم جبروتك عجزتَ عن أمرٍ واحد: أن تُسعّر الفرح، وأن تُقنّن البهجة، وأن تُضرّب الابتسامة.
إننا قومٌ إذا ارتفعت الأسعار زهدنا الشراء، وإذا تضخمت الفاتورة تقلصت جيوبنا، ولكن إذا ضاقت السبل اتسعت الحيلة، وإذا نضب المال فاضت المروءة، وإذا شحّت النعم كثرت النكات. فنحن إذا اشتد الخطب رقّت دعابتنا، وإذا أظلمت الدنيا أضاءت فكاهتنا، نحول النقص إلى نادرة، والحرمان إلى حكمة، والضيق إلى طرفة تُروى على المقاهي وتُتناقل على الألسن.
وفي زمنٍ صار فيه كل شيء بفواتير وبنود وإيصالات، بقيت أشياء تأبى أن تُباع وتأبى أن تُشترى. منها عبير الخبز وهو يخرج من التنور قبيل الفجر فيعطر الأزقة وينعش القلوب. ومنها نداء الباعة مع بزوغ الشمس فيه دفءٌ وألفةٌ قديمة. ومنها جلسة على ضفاف النيل يتجاذب فيه الأصحاب أطراف الحديث والهواء العليل فيه هبة، والسمر فيه منحة والسكينة فيه عطية. ومنها البحر ليلاً يبسط رداءه للجميع بلا تذكرة دخول ولا رسوم مغادرة ولا ضريبة تأمل. فأي تجارة هذه؟ التى رأس مالها القناعة وعائدها راحة البال.
وتعالوا نستدع دفتر الطفولة ففيه دواءٌ للغلاء وبلسمٌ للهموم. كنا نلعب في الشارع فنشبع ضحكاً، واليوم نهوس بالتطبيقات فنشبع فواتير. كنا نشتري المصاصة بتعريفة فنفرح أسبوعاً، واليوم نشتري الحلوى فندفع راتبنا الشهرى. كنا نتقاسم اللقمة بين أربعة فنشبع، واليوم الوجبة لا تكفي فردا. كنا نستحم تحت الدش ونغني، واليوم نحسب عدد قطرات المياه ونصمت. كنا نتجمع و ننتظر المسلسل على التلفاز بفارغ الصبر، واليوم كل واحد مع هاتفه بمفرده يتحسس شحن الباقة كي لا تنتهي. أيامنا كانت رخيصة الثمن غالية القيمة، وأيامنا اليوم غالية الثمن رخيصة المتعة. كان الفرح يأتينا سعياً، واليوم نسعى إليه سعياً. كان الهم خفيفاً فنحمله ضاحكين، واليوم الحمل ثقيل فنحمله باكين. غير أن القلب المصري أبى أن ينسى، فكلما ضاقت به الدنيا عاد إلى حوش البيت وإلى لعبة الاستغماية وإلى ريحة الكراسة الجديدة فوجد فيها عزاءً ووجد فيها سلوى ووجد فيها انتصاراً على الغلاء.
لقد أراد الغلاء أن يضيق علينا فوسعنا خلقنا، قال كلوا القليل فقلنا فيه البركة، قال امشوا بدلاً من أن تركبوا فقلنا المشي رياضة والعافية غنيمة، قال أطفئوا الأنوار فقلنا ضوء القمر أبهى وحديث السمر أدفأ. لقد حاصرنا الغلاء بالأرقام فحاصرناه بالرضا، وضغط علينا بالأسعار فضغطنا عليه بالصبر، وأراد أن يفقرنا فأغنانا اليقين.
فلنقلب إذن دفتراً لا تعرفه وزارة المالية ولا تدرجه مصلحة الضرائب. ضحكةٌ صادقة لا تُشترى وتُوهب. كلمةٌ طيبة لا تُوزن وتُثقل الميزان. جلسةٌ عائلية لا تُكلف وتُغني عن الدنيا. دعوةٌ من شيخٍ كبير تُغير الأقدار. أليست هذه أصولاً لا تملكها البنوك؟ وأرباحاً لا يعرفها التجار؟
أيها الغلاء… لقد حسبتنا أرقاماً في دفاترك، ونسيت أننا بشرٌ يمكن أن نتحمل. رفعتَ كل شيء إلا هامتنا، وضيّقتَ كل شيء إلا صدورنا. تزورنا ضيفا ثقيلا، ولكننا نستقبلك بابتسامة أثقل، تأخذ المال وتترك لنا القناعة، وتأخذ المتاع وتترك لنا الذكرى، فامض فى طريقك، فالطريق أمامنا مفروش بصبر الآباء، وبأحلام الأبناء، وبفرح لايباع فى سوق، ولا يشترى بثمن، رفعت الأسعار فأنزلت فينا الزهد، وشددت الخناق فأطلقت فينا الدعابة. فما دام فينا من يحن إلى الماضى فيبتسم، ويحيا الحاضر فيرضى، ويستقبل الغد فيأمل، ويستل من الذكرى عزاءً ومن الرضا غنى… فاعلم أننا باقون. لأن الوطن لا يُقاس بغلاء سلعة، ولا بثمن رغيف، وإنما يُقاس بفرحٍ لا يُسعّر، وبقلبٍ لا يُقهر، وبأملٍ لا ينضب.










