مدخل مدينة المنصورة وأنت قادم من القاهرة كان شريطاً عريضاً من الزهور والورود والعشب الأخضر اليانع ، جنة تسرّ الناظرين والزائرين فيترسخ انطباعهم عنها بأنها مدينة الجمال حقاً ، ليس جمال الفاتنات وحسب ، وإنما جمال كل شئ حتي الأرض تعزف سيمفونية بديعة من الشجر والحدائق وملاهي الأطفال ومقاعد العاشقين !!.
فجأةً ، وعلي حين غِرةٍ منا ، تحولت تلك المساحات الزاهرة إلى أبنية أسمنتية قبيحة ، مكعبات من الطوب والحجارة والزلط والحديد تعلن عن ذوق ردئ ، وتضرب كل معاني الجمال في مَقتل !!.
ولما تساءلت والدهشة تقتلني ، قيل بأنها استثمار جديد ؛ محلات كُشري ومطاعم وكافيهات ، بالصلاة علي النبي سوف تدر الملايين من الجُنيهات تصبّ في ميزانية المحافظة ، سيبك انت ، بلا ملاهي بلا زفت ، بلا حدائق بلا هَمّ ، بلا ورود وزهور بلا غَمّ ، الفلوس أهم ياعَمّْ !!.
فإذا ما خطفت رجلك ياعزيز عيني علي كورنيش النيل الساحر ، حيث هذا المبني العريق الذي كان مكتبة عامرة بكافة صنوف المعرفة ، ثم سطا عليه الحزب الوطني المُنحل والبائد وجعله استراحة ومَقراً يجمع كل اللصوص من أعضائه ، ثم احترق يوم الثامن والعشرين من يناير عام ٢٠١١ م والذي عُرف بيوم الغضب إبان ثورة يناير !!.
وظلَّ هذا المبني الفخيم أطلالاً خربة تنعق فيه البوم والغربان حتي انتبهوا له ، فقال قائل منهم فلنجعله متحفاً يضم عظماء ومشاهير الدقهلية الخالدين ، حمدنا الله وقلنا ماشاء الله ، اللهم لاحسد علي هذه الروح الوطنية الحقة والاحتفاء برواد التنوير في بلادنا !!.
إنه فأل حسن لاشك ، لكن ، وآهٍ من لكن هذه ، سرعان ماتبخر الحلم والفأل الحسن ، فكان سراباً ووهماً وخداعاً ، حتي استقر المقام بهذا المبني العريق العتيق علي ماذا ،
لن تصدقوا والله ،
لا تخمنوا فلن تصلوا مهما أجهدتم قريحتكم ،
لقد تحوّل – ياسادة ياكرام – إلى ( ميني فندق ) ، تماماً مثل الميني جيب كده ، فندق مُكوّن من ثمانِ غُرف لنزول كبار القوم والباشاوات الجدد ، قيل اشتراه رجل أعمال بخمسة وعشرين مليون جنيه ليجعل منه فندقاً ، لا آسف ، ( ميني فندق ) ، سيدر هو الآخر الملايين مثل محلات الكشري التي صارت الآن أول معالم المنصورة وجنابك قادم إليها من القاهرة !!.
ولديّ سؤال يراود قلمي ، وأعرف أنه سوف يركبه ميت عفريت لو لم يسأله : إذا كنتم قد أدمنتم جباية الأموال بكافة الطرق والسُبل فلماذا لاتتحسن أحوال الناس ، بل ربما ازدادت سوءً ومعاناة !!.
سؤال برئ والله ، قاتلك الله ياقلمي ، جَلّاب المصائب والعمر لايحتمل ، والزنازين رطبة وزمهرير ، والشتاء يدق الأبواب !!.










