يوجد اقتباس،بتصرف، من كتاب قدامة بن جعفر “نقد النثر” في أول صفحة من كتاب صدر هذه السنة 2025 مضمونه:عاقل يتجاوز عن السهو والزلل غير المقصود، وجاهل “يرى عيب الكتاب غنيمة، ويتعجل ذمهم”.
1-المقتبس مؤلف الكتاب لا يوجد أي كتاب له، بما فيه هذا الكتاب الجديد، لا يوجد فيه مفهوم الاختلاف!!!
2- هل الانتحال مقصود أم غير مقصود؟
3-هل نسبة نصوص نقدية الى غير كتابها الحقيقيين مقصودة أم غير مقصودة؟
4-كلمتا “عاقل” و”جاهل” تعنيان شخصنة النقد المسرحي.
5-تطور النقد المسرحي تطورا مذهلا إذ تم جعل النص محور الدراسة والبحث وليس الشخص. مع الأسف، مازالت العقلية القديمة تعيش بيننا اليوم رغم ماكياج “الحداثة” و”مابعد الحداثة”.
5-حينما يعجز الناقد عن تفنيد الفكرة بالفكرة، والنص بالنص، يلجأ إلى الحل السهل: سب الأشخاص.
رغم كشفي لعدد من أخطاء هذا الناقد، وهي موثقة ومنشورة، لم أستعمل أي كلمة تشير إلى شخصه، وقد أشرت مرارا إلى ضرورة التمييز بين الشخص والنص.
انا الآن منشغل بغير النقد المسرحي المغربي، ربما سأعود إلى تشريح هذا الكتاب لاحقا.
في حوار أجراه معي محمود هدايت (العراق) سألني فأجبته. الحوار منشور في كتابي “السيميائيات-التداولية المسرحية ودراسات مسرحية أخرى”. أرجو منكم إذا كانت هناك أي كلمة تتعلق بالشخص أن تدلوني عليها ولكم مني جزيل الشكر.
في إطار الحديث عن التجريب في النقد المسرحي العربي، هناك من يقول أن نقود الخشبة نالت طليعتيها على يد حسن المنيعي ، وخالد أمين؟ ما نسبة صحة ذلك ، سيما وأنك تتبنى آلية النقد المحكّك، في استقبال وقراءة مثل هذه الآراء؟
**سيكون الجواب تبعا لما هو موجود في السؤال. في هذا الأخير يوجد تعبير”نقود الخشبة” أي النقد المسرحي الذي يكون موضوعُه العرضَ المسرحي وليس النص المسرحي. كما سيكون الجواب انطلاقا مما تتيحه المكتسبات المنهجية المعاصرة من تصورات وأدوات للتحليل المنهجي التي من المفترض أن يكون الباحث الأكاديمي مطلعا عليها ومسترشدا بها أيضا في الممارسة النقدية، إذ لا يكفي الاطلاع وحده. المكتسبات المنهجية المعاصرة، ومنها المنهج السيميائي، تحد من إصدار أحكام القيمة ومن تأثير العلاقات الشخصية حين إصدارها. ثم إنها تجعل وُكْدَها النص موضوع الدراسة والتحليل. بهذه الروح المنهجية حلل محمد مفتاح، على سبيل المثال، نصوصا في كتابه “التلقي والتأويل مقاربة نسقية” (1994)، وحلل سعيد يقطين نصوصا روائية في كتابه “تحليل الخطاب الروائي الزمن-السرد-التبئير” (1989)، وحلل عبد الفتاح كيليطو نصوصا تنتمي إلى فن المقامة في كتابه “المقامات السرد والأنساق الثقافية” (1993). هذا علاوة على كتب أخرى لباحثين مغاربة اليوم تتميز بتحاليلها المنهجية.
بالنسبة للاسمين المذكورين في السؤال أي حسن المنيعي وخالد أمين، وانطلاقا من المعطيات المتوفرة أي الكتابة نفسها، فليس لأي منهما تحاليل منهجية اتخذت موضوعا لها عروضا مسرحية. وهنا يجب التمييز بين التحليل المنهجي وإصدار الأحكام النقدية التي قد تكون أحيانا انطباعية. الأحكام النقدية عن عروض مسرحية موجودة عند كل منهما وأحيانا بصيغة التعميم. من ذلك على سبيل المثال قول حسن المنيعي في كتابه”مقاربات مسرحية (قراءة في المسرح العربي الجديد…ومسرح الهجرة العربي)” (2019)، وهو آخر كتاب صدر له وهو على قيد الحياة:”وقد أثر هذا الأسلوب على العديد من الهواة الذين سعوا، منذ منتصف السبعينيات، إلى “تحديث” ممارستهم من خلال إعادة النظر إلى كتابة النص، التي لم تعد “خطية” بقدر ما أصبحت متفجرة” (ص 74/75). المقصود بالأسلوب في هذا السياق هو “أسلوب” الطيب الصديقي الذي “يتشكل من عناصر فنية عديدة كالحركة، والرقص، والغناء، والموسيقى، والتشكيل والإنارة” (ص 74).
لنلاحظ من خلال هذا المثال وجود حكم عام يتعلق ب”العديد من الهواة”. حكم نقدي مصدره ما ترسب في الذاكرة عن مسرح الهواة في سنوات خلت. وأنا أفهم تعبير “نقود الخشبة” بوصفه تناولا نقديا لما يعرض على الخشبة وليس مجرد إصدار أحكام عامة من الذاكرة. مثل هذا التعميم موجود بكثرة في كتابة حسن المنيعي النقدية من قبيل :”من هنا، ظل مسرح الهواة …” (ص 64)، و”استطاع العديد من الهواة” (ص 65)، و”أما بالنسبة للمسرحيين المغاربة، فإن مسرحهم لم يكن يخضع لنفس الأوضاع الحضارية، وإنما لعوامل أخرى تتراوح بين ما هو سياسي وثقافي” (قراءة في مسارات المسرح المغربي، ص78). وحتى حين حديثه عن مسرح الطيب الصديقي فإن حديثه عبارة عن أحكام نقدية عامة من قبيل:”ومع أن الصديقي قد ارتكز على التراث، فإن أعماله تقوم في رأيي على استفادة خارجية نظرا لتشبعه بمعطيات المسرح الغربي وتقنياته” (نفس الكتاب الأخير ص 79). لنلاحظ جيدا كلمة “أعماله” التي تفيد التعميم وليس التحليل، وكذلك “في رأيي”. هو إذن حكم نقدي عبارة عن رأي شخصي. والتحليل المنهجي للعروض المسرحية ليس هو التعبير عن الآراء الشخصية دون أن تكون مسبوقة بتحليل عملي ميداني ملموس. فهذا التحليل الأخير هو الذي يبرر وجود أو عدم وجود “نقود الخشبة”. وأنا هنا أتحدث منهجيا تقيُّدا بما هو موجود في السؤال. لكن هذا لا يمنع من الإقرار بدور حسن المنيعي الريادي في نشر الثقافة المسرحية في المغرب منذ فجر ستينيات القرن العشرين إلى حين وفاته (13 نونبر 2020) سواء من خلال كتاباته أم ترجماته.
وبالنسبة لخالد أمين، فكتبه المنشورة إلى حد الآن لا تتضمن ما ينتمي إلى “نقود الخشبة”، النقد الذي يعني التحليل الفني التطبيقي وليس إصدار الأحكام النقدية. فكتابه “الفن المسرحي وأسطورة الأصل” (2002)، وتعبير “أسطورة الأصل” ينطوي على موقف فكري رافض لفكر آخر انطلاقا من رؤية فكرية مغايرة، لا يتضمن تحاليل منهجية لعلامات مسرحية موجودة في عروض مسرحية. فالغالب على مادة الكتاب تقديم آراء فكرية مثل الفكرة المتعلقة بالإسلام والمسرح، والمسرح العربي في علاقته بالمسرح الأوروبي، وعلاقة المستعمِر بالمستعمَر… وهذا ما يلخصه عنوان في الكتاب هو “التمثيل بين الهوية والغيرية”.
ويبدو أن هناك تناقضا في هذا الكتاب فيما يخص علاقة الإسلام بالمسرح، وليس علاقة المسرح بالإسلام. ذلك أنه ورد بالحرف في الصفحة الواحدة بعد السبعين (71) ما يلي:”ويوجد الآن اتجاه في العالم العربي يدعى بالمسرح الإسلامي، وهو الفعل الذي يفند المزاعم المبكرة بأن الإسلام حرم التمثيل المسرحي”. فحسب هذا القول، لم يحرم الإسلام التمثيل المسرحي بدليل وجود مسرح إسلامي اليوم. وفي الصفحة رقم ثمانين (80) يوجد ما يلي:”لقد كان العرب النصارى واليهود أكثر ميلا نحو الاستقاء من الغرب من إخوانهم المسلمين. وتعزى العلة في هذا الفعل إلى طبيعة الإسلام وشريعته التي تلح على الحفاظ على الهوية الإسلامية”.
في الاستشهادين معا يوجد الإسلام باعتباره دينا وليس المسلمين أو فهمهم وتأويلاتهم له. لكن في التعبير الأول يدل السياق على أن الإسلام لم يحرم التمثيل المسرحي. وفي التعبير الثاني يلح الإسلام، عقيدة وشريعة، “على الحفاظ على الهوية الإسلامية”. والمسرح ليس في الأصل فنا إسلاميا مثل فنون إسلامية أخرى انبثقت من الدين الإسلامي نفسه، لذا، فهو ليس من”الهوية الإسلامية”. والعلة التي ذكرها محصورة في الإسلام الذي جعل المسلمين أقل ميلا “نحو الاستقاء من الغرب” حسب تعبيره. أكثر من هذا، فقد قال:”وخلافا لذلك، فإنه ليس ثمة إشارة في القرآن الكريم وسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى أي نوع من اطراح الممارسة المسرحية وصناعة الفرجة” (ص70/71). وهو قول يتعارض مع”العلة” التي ذكر. هذا علما بأن الشريعة الإسلامية موجودة، فضلا عن القرآن باعتبارخ مصدرا للتشريع الإسلامي، في كتب الفقهاء المسلمين. وحينما حرَّم أحمد بن الصديق في ثلاثينيات القرن العشرين في المغرب في كتابه “إقامة الدليل على حرمة التمثيل” الممارسة المسرحية حرَّمها “باسم الإسلام” عقيدة وشريعة حسب فهمه وتأويله للإسلام. من هنا جاءت كلمة “الدليل” الموجودة في عنوان الكتاب.
هل مثل هذه المناقشات الفكرية النظرية، وكذلك المعلومات التاريخية مثل المعلومات الخاصة بمخطوطات ابن دانيال، ذات صلة مباشرة ب”نقود الخشبة”؟ الجواب واضح، فالنقاشات الفكرية والمعلومات التاريخية ليستا من “نقد الخشبة”. لقد استعملت أنا هنا تعبير”أقل ميلا” لأن تعبير “أكثر ميلا” يحيل ضمنيا على الأول أي “أقل ميلا”. ومن المفيد الإشارة إلى أنني لا أنطلق في الجواب عن السؤال من ثنائية الصواب والخطإ، وإنما الهدف هنا إثبات أن السجال الفكري الموجود في الكتاب لا علاقة له ب”نقود الخشبة”.
. ويبدو أن خالد أمين ينطلق من فكر إيديولوجي مسبق، وأن غايته ليست هي التحليل المنهجي التطبيقي. مثال ذلك قوله:”كانت التقاليد الفرجوية المذكورة آنفا قد مورست في الشرق الأوسط ضمن ممارسات فرجوية جماعية أخرى قبل اللقاء مع الآخر الغربي. ومع قدوم الاستعمار تم حجبها والتنكر لها من لدن المستعمر” (ص 71). بغض النظر عن استعمال مفهوم “الشرق الأوسط” الذي لا يشمل شمال افريقيا باعتباره جزءا من “العالم العربي”، بين المفهومين في الكتاب سطر واحد فقط، فإنه لم يقدم ما يثبت ذلك الحجب وذلك التنكر. فإذا أخذنا على سبيل المثال “فن الحلقة” فقد كانت تمارس في المغرب والجزائر زمن الاستعمار. وهناك مثال آخر يدحض ما ذهب إليه خالد أمين. فقد قال عبد الواحد عوزري عن أندري فوازان André Voisin الذي استدعته إدارة الحماية في المغرب سنة 1950″وسيحتفظ تاريخ المسرح المغربي باسم فوازان، لأنه كان ممارسا عمليا، ينتقل مباشرة إلى خلق العروض المسرحية. أما تكوين الممثلين فكان يتم عن طريق الممارسة. كما أنه حاول ربط عمله المسرحي بالتراث المغربي من خلال اقتباس موضوعات الثقافة الشعبية للمسرح” (عبد الواحد عوزري، المسرح في المغرب بنيات واتجاهات، 1998، ص32).
ولا وجود في كتابه “مساحات الصمت غواية المابينية في المتخيل المسرحي” (2004) أيضا لتحاليل منهجية تطبيقية، بل توجد أفكار نظرية. وحينما تحدث عن فرجات مسرحية في مقالته “المسرح العربي بين الدراماتورجية والركحية وأسئلة ما بعد الدراما”” في الكتاب الجماعي” “مسرح ما بعد الدراما” (2012) تحدث عنها انطلاقا من مصطلح له سياقه الفني والفكري الخاص هو مصطلح “مابعد الدراما”، الذي اختزله في استعمال الوسائط في العرض المسرحي في انفصال مع أساسه الفكري والفلسفي، وأسقطه على فرجات مسرحية عربية. وتوجد في صفحات قليلة جدا في كتابه “المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف” وتحديدا في ما جاء تحت عنوان “مسرح عبد المجيد الهواس:إبداع عابر للحدود” أحكام نقدية منها “وقد بلغ هذا الاستفزاز الخلاق ذروته في تجربة “دموع بالكحول” للمخرجة أسماء الهوري (…) فقد تم توظيف كل من النص الدرامي، والممثل، والفضاء، والزمن، والإضاءة، والملابس، والموسيقى الحية، والمنجز السينوغرافي…بطريقة متزامنة ومتساوية وبمعزل عن مركزية أحد المكونات وهيمنتها على الأخرى…وهذا في حد ذاته اختيار ذكي من طرف المخرجة. إنه أسلوب ما بعد درامي…”(ص184).
لا وجود لتحليل للزمن، والفضاء، والإضاءة إلخ. وبالمقابل، يوجد حكم قيمة “اختيار ذكي”. وهل التزامن، والتساوي، وعدم هيمنة مكون من مكونات الفرجة كلها مقصورة على “مسرح ما بعد الدراما”؟.
لا يسمح المقام هنا بالإفاضة في هذا الموضوع انطلاقا من كتابة خالد أمين النقدية بصفة عامة. كتابة حافلة بالسجال الفكري الذي تعكسه مفاهيم من قبيل “تراثوي”، “حداثوي”،”الاختلاف المتوحش”الذي استعاره من عبد الكبير الخطيبي، “الماهوية”، “التأورب المطلق”، و”الاغتراب في الماضي” إلخ. وقد استعار أدوات نقدية من إدوارد سعيد مثل “الهجنة” و”المابينية”، و”مايعد الاستعمار، ومن إريكا فيشر ليشته “التناسج”.
ويمكن الرجوع إلى كتابي”في المسرح مراجعة مفاهيم وأحكام” (2016) للاطلاع على ملاحظات أخرى تتعلق بكتابته النقدية. لكن من الإنصاف القول إنه قدم اجتهادات وأغنى المكتبة المغربية والعربية بكتب نقدية. ويبدو من خلال هذه الكتابة أن له خصمين فكريين يتمثلان في “المركزية الغربية” و”الاستشراق” تأثرا منه بإدوارد سعيد أو تقليدا له، و”الأصولية”، حسب تعبيره، والمقصود هو الأصولية الإسلامية. وهو لا يختلف مع “الأصولية” في العقيدة، أي في الماهية والجوهر، بل في التصور الفكري. هذا علما بأن الاستشراق فيه ما هو إيجابي مثل تحقيق ونشر عدد من النصوص العربية. أما “الاستشراق” في كتابة إدوارد سعيد فمحدَّد.
الخلاصة هي أنه لا وجود لتحاليل فنية تطبيقية عند حسن المنيعي وخالد أمين يمكن إدراجها ضمن “نقود الخشبة”.










