يشكل المسرح الكردي في سوريا إحدى أكثر التجارب الثقافية تعقيداً وحساسية في المنطقة،
إذ ولد هذا المسرح ونما في بيئة سياسية واجتماعية خانقة،
وظل محملاً على الدوام بقلق الهوية وبنداءات المقاومة.
لم يكن المسرح الكردي مجرد ممارسة فنية بل غدا شكلاً من أشكال الوجود ومحاولة مستمرة للحفاظ على الذاكرة الجمعية الكردية في وجه سياسات الإلغاء
ومساحة بديلة للتعبير حين يغيب الفضاء العام ويحاصر الفن.
نسعى في هذه السطور إلى تقديم قراءة
في الشروط السياسية والإبداعية التي شكلت المسرح الكردي في سوريا، مع تبيان آليات اشتغاله وتعامل المسرحي الكردي مع التحديات البنيوية التي واجهته.
أولاً : أزمة البنية التحتية
المسرح بلا مسارح
يعد غياب المقومات الأساسية أبرز العوائق البنيوية أمام المسرح الكردي.
فلا خشبات عرض مجهزة،
ولا قاعات، ولا أجهزة صوتية أو إضاءة، ولا دعم مؤسساتي أو نقابات ثقافية تمثل حاضنة للمسرحيين.
هذا الفقر لم يكن طارئاً … بل كان نتيجة سياسات متعمدة من الدولة التي أقصت النشاط الكردي عن المؤسسات الرسمية.
لكن الحالة الحقيقية هنا لا يتوقف عند توصيف العجز بل يتجه نحو
مرونة الفنان المسرحي الكردي وقدرته على تحويل العدم إلى ممكن.
فقد خلق هذا التحدي نماذج عروض بديلة :
١ – عروض جوالة في البيوت والباحات
٢ – خشبات مؤقتة في البرية والعراء
٣ – فضاءات مسرحية غير تقليدية تستفيد من أي مساحة متاحة.
إن هذه البدائل جعلت المسرح الكردي قريباً من تجارب المسرح الفقير
حيث يصبح التركيز على الجسد والصوت والتفاعل الحي أكثر من التركيز على الديكور.
ثانياً : الرقابة والقمع
المسرح بوصفه فعلاً سياسياً
لم يواجه المسرح الكردي عقبات اقتصادية فقط، بل عاش في ظل أجهزة مخابراتية رقابية تنظر إلى أي تعبير كردي بوصفه تهديداً أمنياً وسياسياً.
وهذا الواقع فرض على المسرح ثلاثة مستويات من المقاومة :
١ – مقاومة لغوية :
استخدام اللغة الكردية على الخشبة كان فعلاً محرماً وهذا ما جعل كل كلمة تنطق في العرض عملاً احتجاجياً.
٢ – مقاومة موضوعية :
لم يكن ممكناً التطرق مباشرة إلى القضايا القومية أو الذاكرة الجماعية، فاضطر المسرحيون إلى استخدام الرمز والاستعارة والأسطورة.
٣ – مقاومة وجودية :
مجرد اجتماع فرقة مسرحية كان حدثاً قد يستدعي المساءلة الأمنية والملاحقة.
هذه الظروف جعلت المسرح الكردي مسرحاً محمولاً على جرأة مضاعفة، يتجاوز فيها الفن الوظيفة الجمالية نحو الفعل السياسي المباشر.
ثالثاً : الإرهاب الأمني وتأثيره على جسد الفنان
لا يمكن الحديث عن المسرح الكردي دون تناول أثر الترهيب السياسي على الفنان نفسه. فالعمل الفني كان محفوفاً بالخطر، والعروض غالباً تتم في الخفاء، مما خلق حالة من فقدان الأمان الوجودي لدى الفنانين والجمهور.
وهذا الواقع ادى الى ان هذا الخوف لم يضعف الحركة المسرحية بل دفعها إلى :
١ – تطوير أساليب عروض سرية
٢ – انتقاء جمهور محدود لكن واعي
٣ – تحويل العروض إلى مناسبات
ثقافية واجتماعية تؤكد التضامن الكردي
بهذا المعنى، تحول المسرح إلى حاضنة للوعي الجمعي أكثر من كونه مجرد فعل فني.
رابعاً : المخرج الكردي
بين الضرورة والإبداع
لذلك يحتل المخرج الكردي في هذه التجربة موقعاً محورياً، فهو في كثير من الأحيان يكون :
- مخرج
- كاتب نص
- مصمم ديكور
- مدرب ممثلين
- ومنظم العمل كله
هذا التعدد القسري في الأدوار جعل المخرج يتحول إلى صانع مسرح شامل مما أضفى على التجربة طابعاً إبداعياً مميزاً.
الواقع هنا اخذ منحى مزدوجاً :
إيجابيات :
- إنتاج هوية إخراجية مميزة نابعة من الاضطرار للابتكار.
- خلق أساليب عروض بسيطة .
- تركيز أكبر على الأداء البشري باعتباره العنصر الأكثر ثباتاً.
سلبيات :
- غياب التخصص أحياناً يخلق هوة بين الطموح الفني والواقع التقني.
- عدم وجود معاهد مسرحية كردية أدى إلى نقص في تكوين أجيال جديدة مدربة أكاديمياً.
خامساً : البعد الجمالي
مسرح يولد من لا شيء
على الرغم من القيود، أنتج المسرح الكردي جماليات خاصة تستند إلى :
- التراث الشفهي الكردي: حكايات، أساطير، ملاحم
- البساطة في السينوغرافيا : حيث تصبح الإضاءة الطبيعية والفضاءات البديلة جزءاً من العرض.
- الجسد الممثل : كأداة تعبير رئيسية، تعويضاً عن غياب التقنيات.
- العلاقة الحميمة مع الجمهور : بسبب العروض الصغيرة السرية.
هذه العناصر أسست ل مسرح لها ملامحها الخاصة، تجعل من المسرح الكردي مسرحاً قريباً من الجمهور ومتجذراً في الذاكرة.
خاتمة
ليس المسرح الكردي في سوريا مجرد حالة فنية هامشية، بل تجربة ثقافية مقاومة برزت في أحلك الظروف.
إنه مسرح يتحدى العدم والسلطة والخوف، ويقول إن الهوية يمكن أن تُروى عبر جسد ممثلٍ يقف في العراء، وإن الصمود يمكن أن يترجم عبر مشهد مسرحي واحد.
تثبت التجربة أن الفن الكردي في سوريا لم يولد ليسلي، بل ليشهد وليظل شاهداً على إرادة لا تنكسر، وعلى ثقافة تصر على الوجود رغم كل محاولات الإلغاء.
و رغم ان المسرح الكردي في سوريا ظاهرة فنية حديثة نسبيا، بدأت ملامحها تتبلور بوضوح في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، في سياق سياسي وأمني شديد التضييق على التعبير باللغة الكردية.
ورغم التهديدات والملاحقات الأمنية، تمكن عدد من الفنانين من إنشاء عروض مسرحية قدمت اساساً خلال احتفالات عيد النوروز، ضمن فرق فلكلورية مرتبطة بالأحزاب الكردية، قبل أن تتطور تدريجياً إلى تجربة مسرحية أكثر نضجاً ووعياً.
الرواد الأوائل :
ظهر جيل أسس للمسرح الكردي بوصفه ممارسة فنية وثقافية ذات بعد قومي، ومن أبرزهم :
أحمد إسماعيل إسماعيل : من أهم كتاب المسرح الكردي وترك أثرًا اكاديميا وإبداعيا عبر نصوص رسخت للمسرح أداة للوعي.
عادل إسماعيل : كاتب ومخرج
ومبتكر مسرح الجوال كسر احتكار الدولة للفضاء الثقافي من خلال تأسيس فرق مسرحية جوالة قدمت عروضها في الأحياء والقرى وأحواش المنازل …
ترجم وأخرج نصوصاً عالمية إلى الكردية …
طرح وأسس مع بعض المسرحيين من الجزيرة و عفرين
المهرجان الأول للمسرح الكردي 1994 والف نصوصاً لمواجهة نقص الكتاب الكرد، جاعلاً من المسرح أداة تثقيف جماهيري.
فواز عبدي : الى جانب التمثيل أغنى التجربة المسرحية بترجمة نصوص عربية وعالمية إلى الكردية.
أمين عبدو : فنان تشكيلي ومسرحي أسس أول مسرح ميداني في نوروز 1982.
أنور محمد : مخرج و ممثل جمع بين التجربتين العربية والكردية وأسهم في إدارة مهرجانات وتقديم نصوص عالمية.
عبد الرحمن إبراهيم : أسس فرقة شانو ودرب المواهب الشابة، وبدأ منذ 2015 ترجمة رسالة اليوم العالمي للمسرح إلى الكردية ونشرها رسمياً عبر اليونسكو.
كليستان طاهر (سوباري) : سيدة المسرح في روجآفا،
وأول حائزة على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان 1994،
الى جانب المشاركة في العديد من مسرحيات و تصميم أزياء المسرحيات
وحصلت عام 2024 على جائزة تقديرية في مهرجان سقز الدولي في إيران
الى جانب المشاركات في العديد من المهرجانات الدولية للمسرح .
البدايات الصعبة :
لم يظهر المسرح الكردي من داخل مؤسسات الدولة، بل من محاولات فردية وجماعية اتسمت بالجرأة. شهدت
الثمانينيات ظهور فرق في الجزيرة مثل :
خلات، خاني، نارين، ميديا، بوطان، حلبجة، ميتان، روناهي، روناك، تولهلدان وغيرها.
ومن بعض الرواد في هذه المرحلة :
ريبري كاساني، كاوا شيخي، كريمو احمد، حامر سليمان،عدنان حسين،
شفيق إبراهيم، رفعت حاجي، علي فندكي، أحمد ناصر ، سعود عثمان عبد الكريم زفنكي جتو، انديرا كنجو، منيجة مصطفي،مزكين حسان، وآخرون.
اما في حلب وعفرين
واتساع التجربة
برز المسرح الكردي في حلب وعفرين عبر فرق مثل :
روهلات، زوزان، آرمانج، نشتمان.
كان أول عرض معروف بعنوان “Derdên Me – دردين مه” عام 1981 في حلب، تناول الصراع الطبقي وكان نقطة انطلاق للمسرح في المدينة.
من رموز و رواد هذه المرحلة :
صلاح مصطفى، زهير عجولا، محمد مسلم، كمال مصطفى، عبدو سيدو، محمد حمو، حسين قدو، وليد أوسو، و غيرهم.
اما مابعد 2011 :
روجآفا ومساحة الحرية
مع انسحاب الدولة السورية من مناطق شمال وشرق سوريا، روژآڤا ولد المسرح الكردي من جديد في بيئة منفتحة.
أصبح جزءا من المشهد الثقافي في الإدارة الذاتية،
وأداة لتناول قضايا المرأة، البيئة، الهوية، العدالة، وبناء جيل مسرحي جديد و الحديث يطول .
خلاصة
المسرح الكردي في سوريا تجربة تأسست في الظل، دون دعم مؤسساتي،
ونجت من القمع بفضل جهود رواد حملوا المسرح كرسالة وهوية ونضال ثقافي.
ومن خلال تطوره من ثمانينيات القمع إلى فضاء الحرية بعد 2011، أثبت المسرح الكردي قدرته على الاستمرار والابتكار، وعلى تمثيل الروح الثقافية الكردية في سوريا.










