الإرهاب لم يولد ما بين ليلة وضحاها، ولم ينشأ من فراغ. إنه نتاج عالم كامل اختل ميزانه، عالم شاركت في صناعته قوى كبرى وأنظمة محلية وتيارات فكرية وشبكات إعلامية، حتى صار العنف فكرة لها جذور، ودولة بلا حدود، وسردية قادرة على اجتذاب الغاضبين واليائسين.
حين نسأل: من صنع الإرهاب؟ ومن مَكّنه؟ فنحن لا نبحث عن متهم واحد، بل عن سلسلة من الأفعال المتراكمة التي صنعت الوحش ثم تركته يكبر.
البداية تعود إلى التاريخ البعيد، حين جاء الاستعمار بخطوطه الوهمية ليقسم أرضًا واحدة إلى كيانات متنافرة، ويترك داخل كل كيان قنابل موقوتة من تناقضات الهوية والسلطة. هذه الجراح لم تُعالج، وظلت تنزف إحساسًا بالظلم، يلتقطه كل خطاب متطرف ليعيد تفسير العالم على أنه مؤامرة كبرى على جماعة أو دين أو وطن.
ثم جاءت الحرب الباردة لتفتح الباب أمام توظيف الجماعات المتشددة كسلاح سياسي. صُنعت شبكات، ودُعمت معسكرات، وسُلّحت أجيال تحت شعار “معركة عادلة”، دون أن يسأل أحد: ما الذي سيحدث حين تنتهي المعركة ويبقى السلاح؟ وبقي السلاح فعلًا، ومعه بقيت البنية البشرية والفكرية لجماعات تحولت لاحقًا إلى تنظيمات عابرة للحدود.
وبعدها جاء عصر الحروب الحديثة في منطقتنا، ليضيف طبقة جديدة من الفوضى. دول أُسقطت بلا بديل أنتجت فراغًا سياسيًا كبيرًا، جيوش حُلّت، حدود فُتحت، وسلاح تدفّق كالمطر. في هذا المشهد، ظهرت ميليشيات تدّعي الحماية، وجماعات تبني عالمًا موازيًا من الخوف والولاء والدم. لم يحتج الإرهاب إلى كثير من الجهد؛ الفوضى وحدها كانت تكفي ليتمدّد.
ومع صعود الإنترنت، لم يعد الإرهابي بحاجة إلى معسكر تدريب؛ هاتف ذكي وخط اتصال يكفيان. منصات رقمية تعيد إنتاج الكراهية، وخوارزميات تدفع الغاضبين نحو المحتوى الأكثر تطرفًا، وجيوش إلكترونية منظمة تعمل على شحن الشعوب ضد بعضها، حتى صارت الفتنة أسرع انتشارًا من الحقيقة.
وفي الجهة الأخرى، إعلام عالمي يرى الإرهاب بعدسة واحدة، فيُضخم صورة الفرد الإرهابي، ويتجاهل إرهاب دول أو جماعات عنصرية. هذا التحيز يصنع شعورًا دائمًا بالاستهداف، ويمنح الخطاب المتطرف مادة جاهزة للانتقام الرمزي والفعلي.
الإرهاب لم يكن “تنظيمًا”، بل منظومة. لم يكن “فكرة”، بل بيئة كاملة تضافرت فيها الأخطاء والمصالح والحروب والخطابات حتى صار العنف لغة شائعة في عالم فقد ثِقَته في العدالة.
ومن الخطأ أن نتصور أن هزيمة الإرهاب تكون بمعاقبة الأفراد المنفذين. الجذور أعمق من ذلك بكثير؛ وما لم تُعالج الجذور، سيولد التطرف بثياب جديدة في كل عقد.
الخروج من هذه الدائرة يبدأ من فهم الحقيقة:
الإرهاب صُنع حين استُخدم الناس وقودًا للسياسة، ومُكّن حين ساد الظلم، واشتد حين تغذّى على الفقر، وانتشر حين فتح الإعلام والفضاء الرقمي أبوابه للفتنة.
ومثلما صُنع في مسار طويل، لا ينهار إلا في مسار طويل آخر:
مسار تبدأ فيه الدولة بالعدل لا بالقوة، ويبدأ فيه المجتمع بالتعليم المنهجي الفكري النقدي، ويبدأ فيه العالم بوقف استخدام البشر كأدوات في صراعاته.
بهذا فقط تتراجع الفكرة التي ملأت العالم دمًا، وتفقد القدرة التي منحتها لها عقود من الأخطاء المتراكمة.










