نص مسرحية شعرية "من الناحية العروضية "سار فيها الشاعر على نهج رائد المسرح الشعري صلاح عبد الصبور مكتفيا بخمس حركات متتالية وساكن للضرورة الحوارية ،وهو الموجود في مسرح صلاح عبد الصبور وغيره من كتاب المسرح الشعري أمثال بلند الحيدري، أحمد سويلم، فاروق جويدة ،ورغم أن بعض العروضيين المحدثين أقروا (ثلاث حركات وساكنا وخمس حركات وساكنا وسبع حركات وساكنا(
وقد سار في صياغة مسرحيته على نهج رائد المسرح الألماني كاتبا ومخرجا (بريخت ) المسرح الملحمي التعليمي،لما أسماه كسر الجدار الرابع، أو كسر الإيهام، بإشراك الجمهور ذهنيا في العرض مدخلا إياه في حالة من اليقظة التامة،والتفكير النقدي ،ورؤية نفسه كفاعل ومتفاعل مع شخصيات العرض وليس متلقيا فقط، ومن ثم إلغاء حالة الفصل بين العرض الفني والجمهور، ليدفع بالجمهور لرؤية أنفسهم ،عاكسا باعثا ثقة في نفس الجمهور معززا مقدرتهم ورغبتهم على الفعل الاجتماعي والتغيير، ونتاجا لتلك الأطر اصطلح المسرحيون على تسميتها ب(المسرح التحريضي).
يتحول المكان الى مسرح كبير ليضم صالة العرض بالجمهور نظرا لذلك التفاعل والتواصل الفكري بين الجمهور والممثلين والمخرج ملتفين حول مايطرحه الكاتب من فكرة يدور حولها العرض،لتتحقق إيجابية تفاعلية في أرقى صورها، وقد شارك الجميع من ممثلين وجمهور في العرض.
ولتمكن الكاتب أشرف أبوجليل من أدواته ككاتب مسرحي أفلت من الوقوع في شرك المسرح الذهني – (وهو مسرح الغرض منه أن يكون نصا مسرحيا مقروءا وليس قابلا للأداء على خشبة المسرح وهو ما يسهل أن تتصوره وتتأمله لكن يصعب أداؤه أمامك وقد ارتبط هذا النوع الفكري من التخيل الروائي بالكاتب توفيق الحكيم في الأدب العربي حيث من السهل تخيل معظم مسرحياته لكن من الصعب أداؤها)-، فقام بتحويل موقفين متناقضين ،قد يجمعهما أو لايجمعهما وحدة الزمن،إلى مسرحية متكاملة البنيان ، تصلح للقراءة كنص ( مسرح ذهني)مطورا إياه مستخدما كسر الإيهام أو كسر الحائط الرابع، ويمزجه بمفهوم فكرة مسرح الحقيبة ،مستخرجا من حقيبته التراثية ، والحقيبة المسرحية للممثلين الجوالين الشعبيين من ملابس وأدوات تمثيلية وإكسسوارات ، ولنقف عند هذا المصطلح المقترح لتصنيف هذا النص ألا وهو مسرح الجَعْبة.
الجعبة لغة : وعاء من الجلد ، جعبة النبال ( جعبة النبال)، وجعبة المسدس ( جرابه)، أدخل الأسلاك الكهربائية في الجعاب( أنابيب مفردها أنبوب)، أفرغ ما في جعبته ( أخرج ما في صدره من أخبار.
وأطرحه هنا أقصد به تلك المسرحيات التي تتضمن طرح أفكار ومواقف ذهنية متناقضة ،في إطار من كسر الإيهام ، ومسرح الحقيبة، بعيدا عن المباشرة ، تأكيدا على إمكانية عرضها مسرحيا ، وهذ ما يتضمنه هذا النص رجل وامرأة وقضية.
تبدأ المسرحية بنزاع أمام لجنة تحكيم بين مخرجي عرضين وصلهما إخطار بالعرض في نفس التوقيت ، وكلاهما قد أستعد بكل ما يلزم العرض من ممثلين وقد ارتدوا أزياء التمثيل وديكور وإضاءة ..إلخ، العرضان يتفقان في كونهما ملتزمين بشروطِ العرضِ المطلوبةِ من إدارة المهرجان من لغةٍ فصحى واستلهامٍ للموروثِ، وتطبيقِ القيمِ الفنيةِ والأخلاقية ، ولكنهما مختلفان كون أحدهما تراجيدي وهو عرض الحُرقة الأميرة الشاعرة الأبية ، والأخر كوميدي وهو عرض الملك الضِلَيل الشاعر الأمير المخادع أمرؤ القيس .
يتناول العرض الأول( الحُرَقَة ) وهى الأميرة الشاعرة هند بنت الملك النعمان بن المنذر ،المشهورة بجمالها البارع وحسنها الفريد ، وسارت بذلك الأحاديث حتى وصلت الى كسرى ، فتمناها لنفسه ، فأرسل إلى ابيها يطلبها للزواج ، فأنف النعمان أن يزوّجها من أعجمي ، فاعتذر ، فجنّد كسرى الجنود ، وفتك بالنعمان ، وهربت الحُرَقَةُ ناجية بنفسها وشرفها إلى بوادي العرب فى خفاء .
ارسل كسرى بوشاية من عربي خائن منذرا بلاد العرب أن برئت الذمة ممن يحمى أو يؤوى الحرقة ،وعليه فقد خذلتها معظم القبائل التي لجأت إليها مستجيرة بأعذار واهية،لتصبح الأميرة طريدة مخذولة جائعة مشردة خائفة جائعة ، تتجول متخفية إلى أن وصلت إلى قبيلة بنى شيبان الحجيجة صفية الشيبانية الأميرة الفارسة، في حين خذلتها بقية القبائل العربية ، لتقود صفية الحرب ضد كسري بما فيه من خونة العرب قوادا وقبائل ، ليهزموا شر هزيمة في موقعة ذي قار، بعد أن استطاعت صفية استنفار النخوة العربية ليتركوا جيش كسرى خوفا من العار ، وهكذا توحد العرب لينتصروا ، وليسطروا صفحة مجيدة في تاريخهم .
العرض الثاني يتناول الملك الضليل معناه الملك المخادع، وهو امرؤ القيس بن حجر بن الحارس الكندي، سعى الشاعر امرؤ القيس طوال فترة حياته لاستعادة مملكة أبيه والثأر لمقتله، ولكن هذا الأمر لم ينجح في النهاية، استطاع امرؤ القيس من قيام جيش صغير، كما أنه نجح في قتل بعض من رجال بنو أسد، ولكن فجأة لم يجد أي أحد في المعركة وبقي وحيداً يواجه قبيلة بنو أسد التي قامت باستعانة قبائل من بلدان أخرى، حصل امرؤ القيس في أواخر فترة حياته على جيش كبير من إمبراطور القسطنطينية جستنيان، وعندما أراد استعادة مملكته، وصل خبر إلى جستنيان بأن القيس يغازل شقيقته، فقاموا بإرسال سترة من ذهب مسمومة إلى امرؤ القيس، وعندما قام بارتدائها سقط ميتًا، ومات قبل أن يثأر لوالده.
***إذن نص الملك الضليل يتناول شاعرا ماجنا لايراعي الحرمات يقاتل قومه من العرب سعيا وراء ثأره لمقتل أبيه، ولما لم يقف معه أحد من قبائل العرب ، استنجد بالروم أعداء العرب ليحارب العرب ، وكان هلاكه.
كيف لكاتب إلا البارع المجيد أن يجمع في نصه بين النقيضين الشتيتين؟!!!!،من هنا كان لحرفيته وتمكنه من أدواته ككاتب مسرحي اللجوء كما سبق وأشرت بعاليه لكسر الإيهام ،ومسرح الحقيبة ، ليزاوج بينهما فيكون منتجه المسرحي الأدبي ما أسميته بمسرح الجعبة، لكونه استطاع التعبير عن تأمله في تناقضات المواقف وردود أفعال الأبطال جامعا بين حكاية الحرقة والملك الضليل، وكأنه يعبر عن حدث معاصر فيه كل تناقضات التصرفات العربية ، مابين التحلي بالقيم العربية الأصيلة، والتخلي والتبري.
وأما عن لغة النص فهي الفصحي السهلة الرصينة ، واستشهاده بالشعر في النص تحكم فيها بذائقته العالية فاختار الأبيات المعززة للدراما ، المفهومة للجميع .
أجاد الكاتب بكسر الإيهام توظيف المذيع والمخرجين فما إن يعرض مشهدا من عرض إلا وفيه تصاعد للأحداث، لينتقل إلى مشهد من العرض الثاني ، وهكذا ، وبكل حرفية جعل القاريء للنص يتابع العرضين بلا ملل ، وبمسرح الحقيبة تبديل الأزياء وللديكورات والممثلين بكل سلاسة، بل ويتوتر ويتشوق لمتابعة العرضين دون ملل.
حين يفلح الكاتب المسرحي أن يجعل القاريء لنصه يشاهد مسرحية متكاملة العناصر ، أصفه بأنه يمتلك قلما فوتوغرافيا ( تصويريا) ناطقا ، النص المسرحي حين يملك الحواس ، ويستولي على لب المشاهد وتخيلاته هو في نظري نص عبقري.
هذا النص المسرحي”رجل وامرأة وقضية” للكاتب أشرف أبوجليل حوى تناقضات تاريخية ممتدة بين ماض وحاضر ومستقبل لواقع الفكر وردود الأفعال والمواقف العربية ، والصراع الداخلي الكبير بين الحفاظ على الهوية العربية وموروثها الأخلاقي، وسمات الشخصية العربية، وقد استطاع الكاتب بالفعل أن ينقل للقارىء صورة شعرت معها أنني اشاهد عرضا لا اقرأ نصا ، فالكاتب نقل كل تناقضات الشخصية العربية – ليست مسرحية عادية – ففيها امرأة تقاوم وتجمع العرب وهي هند بنت النعمان وتجيرها الحجيجة صفية الشيبانية ، ورجل يقاتل أهله وهو امرؤ القيس الشاعر الجاهلى الذي يستعين بالأجنبي ويخون قومه ، وبها ثنائيات ضدية من رجل وامرأة ووحدة عربية وخيانة وكوميدي وتراجيدي ومسرح ملتزم ومسرح متجدد به كسر إيهام وتداخل بين النصين من خلال المخرجين وتعليقاتهما فكان الكاتب كمن يلعب على رقعة شطرنج ينتقل كل نقلة بحساب ، يجعل القارىء منتبها للعبة يجعل القاريء يعقد المقارنات بين الموقف ونقيضه ويقطع دخول مخرجي العرضين اندماج المشاهد مع تحكم تام في سير الحدث كما دمج بين المسرح الذهني ومسرح الفعل المجسد ، فمزج بين المسرح الذهني بفكره ومسرح الحقيبة في قربه من المشاهد ، وجمعت المسرحية عددا من الطباقات المسرحية المتضادة موضوعا وتكنيكا، مما يؤدي الى تقلب ذهن المشاهد بين الأبيض والأسود طوال المسرحية ، مما يجعله يقظا ولا يكتفي بمشاهدة المشاهد بل يلجأ الي المتلقى حكما بين العرضين، ومكملا لبعض المقولات المشهورة لأبطاله، كما لا يخلو العرض من اشعال رغبة المتلقى في القراءة عن الموضوع لتثقيف نفسه في القضية •
نص مسرحي به خلطة تشجع وتحفز وتستفز المخرج أن يقدمها، بعد أن قام المؤلف بتقديم حلول لكل مشكلة تنفيذية للمخرج، فيمكن تقديمها بمسرح الحقيبة فممن الممكن أن يقوم الممثلون بتغيير ملابسهم على المسرح أمام الجمهور ومسرح الجرن والمسرح التقليدي، وبها كسر إيهام، وهناك حوارية نموذجية (تُدَرس ) كما في حوار النعمان مع ابنته وهو خجل أن يعرض عليها طلب كسرى للزواج منها ، وهي تزيد موقفه حرجا عندما تنعته بصفات القوة، بينما هو سيعرض عليها عارا يخجل منه العربي.
- كل مسرحية لها بداية وعقدة ونهاية وقد نجح الكاتب بث التوتر والتشوق لدى القارىء من الصفحة الأولى واستطاعت أن تأسر القاريء من اللحظة الأولى ، وإذا كان الثابت في فن الكتابة المسرحية أن الكاتب الجيد يجعل عمله مثل موج البحر، فمسرحية رجل وامرأة وقضية بها موجتان تلعبان على عقل القارىء ، إحداهما تلعب على وعي القاري، والأخرى تنقل هموم الأمة العربية ،وخيانات بعض العرب لقضية بلادهم، وقد نجا من فخ المباشرة عما يكتبه من قضايا ، ومن اللغة العتيقة المتشنجة الخطابية ، وكتبت بلغة فصحى كل الناس تقرأها وتسمعها وتستسيعها، واستخدم نوعين من السرد السرد الطولى والسرد المستعرض ، دون أن تأخذك التفاصيل في السرد المستعرض عن القضية الرئيسية في السرد الطولى ، فقد نجح الكاتب أن يجلس القاريء المتخصص بجوار المشاهد العادي ويستمتعان بالعرض كل من وجهة نظره.
أجاد توظيف الشعر الجاهلي فاختار أبسط وأوضح أبياته من ناحية المعاني والألفاظ دامجا إياها في النص المسرحي دون نتوءات ولا تعريجات ولا تقعر ،في تناسق تام بين بينها وبين لغة الكاتب الشعرية التي صاغ بها نصه، ما يجعل القاريء مستغرقا بكل وعي وفهم مستمتعا بقراءة النص، دون الحاجة لاستدعاء معجم أو السعي للبحث عن معنى كلمة تعيقه عن الاستمتاع بالنص ، ومتابعة أحداثه ، ما بين توتر وترقب للنهاية ، أو قل للنهايتين ، في قالب لغوي شعري مستساغ ومألوف.
لم يكن اسم المسرحية إلا الكاشف الكاشف بعد قراءتها،
المخرج 2 يدخل للمسرح (بحزن يتحدث)
: أعتذرُ لكلِّ السادةِ عن هذا المشهدِ،
بل أعتذرُ عن العرضِ نهائيا، وأقرُّ بأنَّ الملكَ
الضِّلِّيلَ انهزمَ أمامَ الحُرقةِ عرضا وقضيةْ
أعتذرُ لإخوتِنا في عرض الحُرقةِ قد أفسدنا ليلتَهم،
نحن خسرنا: عرضًا وقضية
أعتذرُ بشدِّةْ.
(يدخل كل فريق الحُرقة)
مخرج 1 : لابأس عليك ،فقد كان العرض جميلا حقا، كان
فريقُك ممتازا
(يحاول الجميع ترضية المخرج والممثل/ امرىء القيس الذي ينهار باكيا حتى لا نفرق بين إحساسه بالفشل كممثل في عرض أم في قضية خاسرة)
الممثل : نحن خسرنا عرضا وقضية
أفسدنا عرضك يا هند
هند : كلا، لم تفسد عرضي، فوجودك أثرى الليلة
مدير المسرح: كان وجود العرض مهما، جعل
الجمهور يقارن بين الحالين،
رئيس لجنة التحكيم
: اللجنة أعجبها العرضان وتقترح إذا وافقتم أن
يتحد العرضان معًا في عرض واحدْ
ونسميه: (رجل وامرأة وقضية)
لتحمل في طياتها ذلك النداء والتساؤل مابين استدعاء التاريخ مابين النصر أمة وهزيمة فرد، أنى لنا بالحجيجة صفية الشيبانية تلك المرأة التي استدعت النخوة العربية ، لتجمع العرب على كلمة واحدة ، فكان النصر التاريخي المؤزر ، وفيه فخر العرب.
الناقد الحقيقي مثل الجواهرجي الذي يفحص خاتما ، لا يهمه صاحب الخاتم ولا مدى معرفته به أو قربه الشخصي منه بل يفحصه مدققا جيدا ويحدد مواصفاته ونوعه وقيمته ويثمنه مستواه الجمالى بحياد تام.










