“أبو الغيط يكشف ملامح نظام عالمي جديد… ويحذّر: العالم على أبواب حرب باردة”
كتب عادل البكل
استضافت الجمعية المصرية للقانون الدولي برئاسة الدكتور محمد شوقي (أستاذ القانون الدولي العام ورئيس الجمعية) الأمينَ العام لجامعة الدول العربية السفير أحمد أبو الغيط، ضمن موسمها الثقافي، حيث قدّم قراءة معمّقة للتطورات العالمية الراهنة، وحذّر من التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل النظام الدولي وتأثيراتها المباشرة على المنطقة العربية.
ترحيب ورسالة تقدير
افتتح الدكتور محمد شوقي فعاليات الندوة مرحّبًا بالسفير أحمد أبو الغيط، ومشيدًا بخبرته الطويلة الممتدة في الدفاع عن المصالح العربية داخل الأمم المتحدة، ومواقفه الراسخة في رفض التهجير القسري للفلسطينيين.
كما أعرب عن سعادته باستضافة شخصية ذات ثقل سياسي ودبلوماسي لعرض رؤيته حول التحولات العالمية المتشابكة.
أبو الغيط: نحن في مرحلة “لا استقرار”… والعالم يتجه إلى صدامات كبرى
بدأ السفير أحمد أبو الغيط حديثه بالإشارة إلى أنّ ما يشهده العالم اليوم يختلف جذريًا عمّا حدث خلال العامين الأخيرين، مؤكدًا أن العدوان الإسرائيلي على غزة وموجات الاضطراب في المنطقة العربية – من لبنان إلى اليمن والصومال وليبيا والسودان – هي انعكاس لحالة عالمية مضطربة.
وأوضح أن هناك خلطًا شائعًا بين الوضع الدولي والنظام الدولي؛ فالأول يعكس توزيع القوى في لحظة معينة، بينما الثاني يتشكّل عادة بعد حروب كبرى، مثلما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
“القطب الواحد انتهى”… وصعود صيني – روسي يغيّر قواعد اللعبة
أكد أبو الغيط أن النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ 1991 يمرّ بمرحلة تراجع واضحة، مع بروز ثنائية محتملة بين واشنطن وبكين، لكنها ليست ثنائية بسيطة، بل مقدّمة لمواجهة واسعة بين محور الأنجلوساكسون (الولايات المتحدة وبريطانيا) ومحور أوراسيوي تقوده الصين وروسيا.
وأشار إلى أن اللقاءات المتكررة – أكثر من 42 لقاء – بين الرئيسين الصيني والروسي خلال 13 عامًا دليل على أن البلدين يقتربان من صياغة تحالف استراتيجي مؤثر، رغم أنهما لا يسعيان حاليًا إلى إسقاط النظام الدولي القائم، بل يعملان على مجادلة “الدولار” عبر منظومة البريكس والعملات المحلية.
الذكاء الاصطناعي: “قوة جديدة تُعيد كتابة التاريخ”
وضع أبو الغيط الذكاء الاصطناعي في صدارة التحولات العالمية، معتبرًا أنه “القوة الرابعة التي ستغيّر الحضارة الإنسانية”. وأوضح أن السيطرة على الذكاء الاصطناعي تتمحور في يد خمس إلى ثماني شركات عالمية، تحقق أرباحًا هائلة وتملك قدرات تقنية قد توازي – بل تتجاوز – كل الابتكارات البشرية عبر آلاف السنين.
وحذّر من خطر الذكاء الاصطناعي الفائق الذي قد يدير عمليات الحرب واتخاذ القرار دون تدخل بشري، داعيًا إلى تشريعات دولية صارمة، الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة.
كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية هائلة من الطاقة والمياه والمراكز العملاقة، مؤكدًا أن العرب يجب أن يتحركوا سريعًا للاستفادة من هذا التحول، من خلال الجامعات المتخصصة ومراكز الأبحاث، مثل كلية الذكاء الاصطناعي التابعة للأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
الصين… من الفقر إلى العملاق الاقتصادي
استعرض أبو الغيط تجربته في زيارة الصين خلال التسعينيات وبعدها مؤخرًا، مشيرًا إلى التحول المذهل الذي تحقق بفضل السياسات الاقتصادية الصارمة منذ عهد “دينغ شياو بينغ”، وأن الصين اليوم باتت تمتلك اقتصادًا يقترب من 29 تريليون دولار مقابل 30 تريليون للولايات المتحدة.
وأضاف أن الصين أصبحت قوة عسكرية صاعدة، خاصة مع سعيها لفرض سيطرتها على تايوان، ومع عرضها العسكري الأخير الذي كشف عن تطور نوعي في قدراتها.
الأسلحة النووية… وسباق ردع جديد
أكد الأمين العام أن العالم يشهد سباقًا نوويًا جديدًا، رغم الاتفاقيات التي وُقّعت لتقليل الرؤوس النووية، مشيرًا إلى أن روسيا تمتلك أكثر من 5500 رأس نووي، بينما تسعى بكين لرفع قدراتها إلى مستوى مماثل بحلول 2030.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة أسهمت – من دون قصد – في صعود الصين، عبر السماح لها بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، معتقدة أنها ستتحول إلى نظام رأسمالي بالكامل.
القضية الفلسطينية… “إسرائيل خسرت الغرب”
تناول أبو الغيط القضية الفلسطينية مؤكدًا أن إسرائيل فقدت الكثير من دعم الغرب بعد عدوانها على غزة.
وأوضح أن 8 ملايين فلسطيني بين النهر والبحر أصبح حقهم في الدولة أكثر وضوحًا واعترافًا دوليًا.
وأشار إلى أن الدبلوماسية العربية مطالبة بـ“اللعب بذكاء”، مستشهدًا بالدور التاريخي للرئيس الراحل أنور السادات في تثبيت الحقوق العربية دون التنازل عن شبر من الأرض.
الجامعة العربية… قوة موقف لا قوة سلاح
شدد أبو الغيط على أن الجامعة العربية، رغم عدم امتلاكها جيشًا، هي منبر لـ 22 دولة تعبّر عن موقف عربي موحّد. وأكد رفض أي حديث عن نظام إقليمي جديد يضم إسرائيل قبل الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية.
كما دعا إلى بناء منظومة عربية – إسلامية متماسكة تشمل تركيا وإيران، بعد قيام الدولة الفلسطينية.
تكريم وختام
اختُتمت الندوة بكلمة لرئيس الجمعية الدكتور محمد شوقي، الذي ثمّن الطرح العميق للسفير أحمد أبو الغيط، مؤكدًا أن رؤيته تمثل نموذجًا للمفكر والدبلوماسي العربي.
وأشار إلى أهمية الذكرى الثمانين لتأسيس جامعة الدول العربية، وضرورة الاستعداد قانونيًا وتشريعيًا لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي عالميًا.
“القوة تحفظ الحق وتحميه… ومن دون قوة لا حق ولا حماية”
بهذه العبارة ختم أبو الغيط رسالته، مؤكدًا أن العرب بحاجة إلى القوة والقدرة كي يدافعوا عن حقوقهم في عالم يزداد تعقيدًا.
حضور نوعي يؤكد أهمية الندوة
وشهدت الندوة حضور نخبة من الشخصيات العلمية والقانونية البارزة، من بينهم العالم الجليل والفقيه الدكتور مفيد شهاب، والمستشار محمد القاضي عضو الجمعية، والمستشار الدكتور حازم جاد (أستاذ القانون الدولي)، والدكتور توفيق عمر بشير (أستاذ القانون الدولي الخاص)، والدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، بالإضافة إلى الدكتور محمد حسن، عضو الجمعية. وقد عكس هذا الحضور رفيع المستوى تقدير الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية لقيمة النقاش الذي طرحه السفير أحمد أبو الغيط حول مستقبل النظام الدولي وتداعياته على المنطقة العربية.











