يُمثّل تأسيس المسرح القومي بمدينة درنة سنة 1969م محطة مهمة في تاريخ الحركة المسرحية الليبية، باعتباره حدثًا أطلق ديناميكية جديدة للعمل الفني المنظّم، ووضع المدينة في موقع بارز ضمن خارطة المسرح الوطني. فقد جاء هذا التأسيس في مرحلة كانت فيها ليبيا تشهد حراكًا ثقافيًا ناشئًا، يتطلع إلى بناء مؤسسات فنية رسمية، تكون قادرة على احتضان المواهب وصقل التجارب المسرحية. وبفضل تضافر جهود فنانين مخضرمين في تلك الفترة، تحوّل هذا الحدث إلى بداية فعلية لتكوين هوية مسرحية محلية بسمات واضحة واستمرارية فاعلة.
أولًا: السياق التاريخي لتأسيس المسرح القومي بدرنة.
تعدّ سنة 1969م علامة فارقة في تاريخ مدينة درنة، إذ شهدت ميلاد المسرح القومي كإحدى أهم المؤسسات الثقافية الرسمية. وقد جاء إنشاء هذا المسرح استجابة لحاجة ملحّة لتنظيم النشاط المسرحي الذي كان آنذاك يعتمد على المبادرات الفردية وفرق الهواة. ومن هنا جاء القرار بضم فرقة درنة للفنون الشعبية إليه، لتشكيل نواة فنية تجمع بين الأداء المسرحي والفنون التراثية، وهو ما عزز حضور المدينة على المستوى الفني والثقافي.
ثانيًا: دور الفنان أنور الطرابلسي في الإشراف على الفرقة.
أسندت مهمة الإشراف على فرقة درنة للفنون الشعبية إلى الفنان أنور الطرابلسي، أحد أبرز الأسماء الفنية في ليبيا خلال تلك المرحلة. وقد مثّل وجوده إضافة نوعية للمشروع الجديد، بحكم خبرته الطويلة في العمل المسرحي والفني. أدى الطرابلسي دورًا محوريًا في تنظيم العمل داخل الفرقة، وتطوير منهج فني يقوم على التدريب المنهجي والعناية بالتراث الشعبي، وهو ما جعل الفرقة إحدى الركائز الجوهرية للمسرح القومي الناشئ.
ثالثًا: المقرات الأولى للمسرح القومي: بين المؤقت والدائم.
واجه المسرح القومي منذ انطلاقته تحديات مرتبطة بغياب مقر مناسب لاحتضان نشاطه. فقد اتخذ في بداياته مدرسة الميدان للبنات مقرًا مؤقتًا وبإمكانيات محدودة للغاية، وهو ما يُظهر حجم الصعوبات التي واجهها الفنانون في تلك الفترة. لاحقًا انتقل المسرح إلى مبنى الكنيسة سابقًا، وهو مقر أتاح للفرقة فسحة أكبر للعمل وبداية أكثر استقرارًا. وقد شاركت فرقة هواة التمثيل هذا المقر، مما خلق بيئة فنية مشتركة أسهمت في تنوّع التجارب وتبادل الخبرات.
رابعًا: شهادة الفنان سالم بن زابية ودلالاتها التاريخية.
يقول الفنان سالم بن زابية إن سنة 1969م—سنة تأسيس المسرح القومي—تمثل “بداية انطلاقته” الفنية. ولا تُقرأ هذه الشهادة باعتبارها تجربة فردية فحسب، بل بوصفها انعكاسًا لوعي جيل كامل من الفنانين الذين وجدوا في هذا التأسيس مناخًا جديدًا وفرصة نادرة للانخراط في عمل مسرحي مؤسسي. فقد شكّل المسرح القومي منصّة حقيقية لبروز العديد من المواهب، ومختبرًا لصياغة ملامح التجربة المسرحية في المدينة.
خامسًا: الدلالات الثقافية لتأسيس المسرح القومي بدرنة.
لا يمكن النظر إلى تأسيس المسرح القومي سنة 1969م باعتباره حدثًا إداريًا، بل بوصفه لبنة أولى في بناء بنية تحتية ثقافية محلية. فقد #أسهم هذا الحدث في:
- تأسيس حركة مسرحية منظّمة تعتمد على التدريب والعمل الجماعي.
- دمج التراث الشعبي ضمن إطار مسرحي مؤسسي عبر فرقة الفنون الشعبية.
- صياغة هوية فنية محلية تمتدّ أثرها إلى الجيل الذي تلا تلك المرحلة.
- ترسيخ درنة كمركز ثقافي له مساهماته الواضحة في المسرح الليبي.
كان هذا التأسيس نقطة انطلاق نحو مسرح يمتلك أدواته ووعيه وسياقه الخاص، وهو ما جعله أحد أبرز التحولات في تاريخ الفنون بمدينة درنة.
وإن إنشاء المسرح القومي بمدينة درنة سنة 1969م يمثّل لحظة تأسيسية في تاريخ المسرح الليبي، لما حمله من دلالات ثقافية وفنية وجمالية. لقد أسهم هذا الحدث في إرساء قاعدة مؤسسية للعمل المسرحي، واحتضان فنانين شكلوا فيما بعد أعمدة المشهد المسرحي الوطني. ومن خلال المقرات الأولى المتواضعة، والإدارة الواعية للفنان أنور الطرابلسي، وتعليقات الفنان سالم بن زابية، تتجلى أهمية هذا التاريخ باعتباره الانطلاقة الحقيقية للحركة المسرحية بمدينة درنة، وواحدًا من أبرز التحولات في ذاكرة الفن الليبي.
الهوامش.
- يُشار إلى أن فرقة درنة للفنون الشعبية كانت من أبرز الفرق التي مثّلت المدينة في المناسبات الثقافية آنذاك، مما جعل ضمّها إلى المسرح القومي خطوة استراتيجية في تنظيم العمل الفني.
- شهادة الفنان سالم بن زابية جاءت في سياق حديثه عن بدايات الحراك المسرحي في درنة، وهو يؤكد أن تأسيس المسرح القومي كان المحطة التي انطلقت منها مسيرته الفنية.
- انتقال المسرح القومي من مدرسة الميدان إلى مبنى الكنيسة سابقًا يعكس التحولات اللوجستية التي واجهتها الحركة المسرحية في مراحلها الأولى بمدينة درنة.










