يا عمرو
نحن كشعوب نعرف تمامًا الفرق بين النقد الفني والانتقاد. لسنا بحاجة إلى درس لغوي، ولا إلى محاضرة في المصطلحات. لكن المشكلة ليست في المعرفة… المشكلة في الاختيار.
نحن لا نمارس النقد الفني لأننا لا نريده.
النقد الفني يحتاج دراسة أكاديمية، تفكيك بنيوي، معرفة بمدارس الإخراج، تطوّر السرد، لغة الصورة، تاريخ السينما، ومراجع نظرية. باختصار: يحتاج وقتًا وتعليمًا لم يُطلب من الشعوب أصلًا أن تتلقّاه.
لكن ما الذي نملكه بدلًا من ذلك؟
نملك ذائقة،
ونملك ذاكرة،
ونملك تاريخًا طويلًا من التراكم الوجداني.
وهذا، بالمناسبة، ليس أقل شأنًا.
لذلك نعم، نحن لا ننقد… نحن ننتقد.
ونفعل ذلك بوعي، لا بعجز.
ننتقد لأن الانتقاد، في هذه الحالة، حق كامل ومشروع، بل وقد يتحول أحيانًا إلى واجب أخلاقي، لا مجرد رد فعل عاطفي كما يحب البعض أن يصفه.
الرموز الكبرى لم تعد ملكًا فرديًا منذ زمن.
هي ليست فكرة تحت الاختبار، ولا مادة خامًا للتجريب الحر.
هي رصيد وجداني مشترك تشكّل عبر عقود، وأسهم في بناء الذوق والوعي والهوية.
وحين يُعاد تقديم هذا الرصيد بصورة تُربك المعنى أو تُفرغه من سياقه، فمن الطبيعي – بل من الصحي – أن تتحرك الشعوب دفاعًا عنه، لا لتكتب بحثًا أكاديميًا، بل لتقول: لا.
وحق الشعوب في هذا الانتقاد يقوم على ثلاث بديهيات لا تحتاج لجنة تحكيم:
أولًا: الذاكرة ليست ملكًا خاصًا.
التاريخ الثقافي ليس سيناريو حصريًا لمن يملك الكاميرا أو المنصّة. هو سردية جماعية، وأي عبث بها يفتح الباب للمساءلة، لا للتصفيق.
ثانيًا: الرمز ليس شخصية عادية
الشخصية العادية تحتمل الخيال.
أما الرمز الجمعي، فالهامش يضيق، لا لأن الإبداع محظور، بل لأن المسؤولية تتضاعف. الشعوب لا تكره التجديد، لكنها ترفض إعادة تشكيل المعنى بلا إدراك لثقله.
ثالثًا: الانتقاد حماية لا فوضى
السكوت هنا ليس رقيًا، بل تفريط.
والانتقاد الشعبي – حتى حين يكون حادًا أو منفعِلًا – هو إنذار مبكر بأن هناك خللًا في التوازن بين حرية الفن وحق الجماعة في صون ذاكرتها.
أما النقطة التي يجب أن تُقال بوضوح:
حق الشعوب في الانتقاد لا يعني مصادرة الفن، ولا الدعوة للمنع أو القمع، بل يعني إعلان الرفض، وفتح النقاش، ووضع حدود أخلاقية وثقافية.
الشعوب الحية لا تصفّق دائمًا، بل تعترض، تناقش، وتختلف.
نعم، نحن ننتقد ليس لأننا لا نفهم الفرق بين النقد والانتقاد
بل لأن الذاكرة حين تُمسّ لا تحتاج إلى تحليل… تحتاج إلى موقف.










