نشرت بعض مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مؤداه أنه تم القبض على سائق المحافظ فى قضية مخدرات, وحاولت هذه المواقع لصق هذه التهمة الماسة بالشرف بالمحافظ, وأنا شخصياً لا أعرف المحافظ معرفة شخصية, ولا تربطنى به ثمة رابطة, ولكن نقول أن القاعدة الأصولية والقانونية أن الإنسان لا يسأل بصفته فاعلا أو شريكا, إلا حيث يكون لنشاطه المؤثم دخل فى وقوعه, وأن مصائر الناس لا يجوز أن تعلق على غير أفعالهم التى يسألون عن حسنها وقبحها, وأن الشخص لا يزر غير سوء عمله, وأن جريرة الجريمة لا يؤخذ بها إلا جناتها, ولا ينال عقابها إلا من قارفها.
ويوضح الأستاذ ابراهيم توفيق الفقيه القانونى والمحامى بالنقض فى بحث قيم له قائلا: إن هذه المبادئ والقواعد القانونية تأتى إعمالًا لقاعدة شخصية العقوبة, وقد نصت على ذلك شريعتنا الغراء فى سبع سور من القرآن الكريم وهى: سور الأنعام, والإسراء, وسبأ, وفاطر, والزمر, والنجم, والمدثر.
ففي الأنعام قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الآية 164 ),
وفى الإسراء فى قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ (الآية 13), و أيضاً الآية15(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى), وفى سورة سبأ قال الله تعالى: ( قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) الآية 25
وفى فاطر فى قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(الآية 18)
وفى الزمر فى قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ (الآية 7)
وفى النجم فى قوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) الآيتان 38 و 39, وفى المدثر فى قوله تعالى: ( كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ) الآية
ثم تأتي القاعدة الأصولية لا تكليف بمستحيل, وأن التكليف بالمستحيل عسر ومشقة, وأنه لا تكليف بما لا يطاق, وهذه القاعدة الأصولية الفقهية لها دلالتها و سندها فى القرآن والسنة النبوية, وفى أحكام القضاء المصرى الدستورى والنقض والإدارية العليا
ومن الأدلة على امتناع التكليف شرعاً بما لا يطاق عقلا أو عادة:
١ – قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة ٢٨٦]،
ووجه الدلالة أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا شك أن المستحيل غير داخل تحت الوسع والطاقة.
٢ – قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج ٧٨]،
وجه الدلالة: أن الله أخبر ـ وخبره صدق ـ أنه لم يجعل فى ديننا حرجا، ولا شك أن التكليف بالمستحيل حرج عظيم.
٣ – قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)،
وجه الدلالة: أن التكليف بالمستحيل عسر ومشقة، والله أخبر ـ وخبره صدق وحق ـ أنه لا يريد بنا العسر.
٤ – قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (متفق عليه).
وجه الدلالة: أن الحديث يدل على عدم وجوب الإتيان بالعمل الشاق الذى لا يستطيعه الإنسان وإن كان ممكنا، ومن باب أولى لا يكلف بالمستحيل.
ومن أحكام المحكمة الدستورية العليا ما قضت به هذه المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة ١٩٥ من قانون العقوبات وقالت المحكمة في هذا الحكم الذى هو من عيون أحكامها: ( ولا يتصور فى جريدة تتعدد صفحاتها وتتزاحم فيها مقالاتها وتتعدد فيها مقاصدها أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً, نافذاً إلى محتوياتها, ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها, ولا أن يزن كل عباراتها بافتراض سوء نية من كتبها, ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها فلا تتحدد تطبيقاتها.
كما نصت على هذه القاعدة كافة الدساتير المصرية منذ دستور ١٩٢٣ , مروراً بدستور ١٩٧١, وانتهاء بدستورنا القائم في المادة (٩٥ ), و لهذا قضت المحكمة الدستورية العليا أيضاً بعدم دستورية المادة ١٩٥ من قانون العقوبات التى كانت تعاقب رئيس التحرير عما يقع من بعض الصحفيين الذين يعملون تحت رئاسته, وشيدت المحكمة قضاءها على أنه لا يتصور فى جريدة تتعدد صفحاتها, وتتزاحم فيها مقالاتها, وتتعدد فيها مقاصدها أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً, نافذاً إلى محتوياتها, ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها, ولا أن يزن كل عباراتها بافتراض سوء نية من كتبه,ا ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها فلا تتحدد تطبيقاتها.
وأضافت المحكمة أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة القانونية في حقه دون دليل يظاهرها ومكلفاً بنفيها خلافاً لافتراض أصل البراءة. (يراجع الحكم رقم ٥٩ لسنة ١٨ ق دستورية جلسة الأول من فبراير سنة ١٩٧٧ المنشور بالجريدة الرسمية العدد ٧ تابع في ١٣من فبراير سنة ١٩٧٧ في مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا الجزء الثامن ص٢٨٦ )
كما جرى قضاء المحكمة الإدارية العليا منذ باكورة أحكامهما على أن تحديد مسئولية صاحب الوظيفة الإشرافية ليس معناه تحميله بكل المخالفات التي تقع من مرؤوسيه, فليس مطلوباً من الرئيس أن يحل محل كل مرؤوس فى أداء واجباته الوظيفية, لتعارض ذلك مع طبيعة العمل الإدارى واستحالة الحلول الكامل. (يراجع الطعون أرقام ٣٥٩٢ لسنة ٥٨ ق عليا جلسة ٢١من يونية سنة ٢٠١٤و١٩١٥٨ لسنة ٥٩ ق عليا جلسة ٢٣من أبريل سنة ٢٠١٦و ٦٥٨ لسنة ٥٩ ق عليا جلسة ١٩ من مايو سنة ٢٠١٨ و ٧٣٧٢ لسنة ٦٠ ق عليا جلسة ٢٦ من ديسمبر سنة ٢٠٢٠)
وتأتى هذه المبادئ والقواعد القانونية سواء في المسئولية الجنائية أو التأديبية, إعمالًا لقاعدة شخصية العقوبة, ولمبدأ أصل البراءة التى هى قاعدة أساسية في النظام الاتهامى تفرضها حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الاجرائيه, وأن المسئولية الجنائية لا تفترض و لا يجوز أن تعلق مصائر الناس على غير أفعالهم التى يسألون عن حسنها وقبحها, وأن الأصل في الاتهام أن يكون جاداً, ولا يتصور أن يكون الاتهام عملاً نزقاً تنزلق إليه سلطة الإحالة بتسرعها أو تفريطها, ولذلك وصف مجلس اللوردات البريطانى أصل البراءة بأنه خيط رفيع فى نسيج القانون الجنائى.
خلاصة الأمر أنه في حالة صحة الواقعة المنشورة وكانت الواقعة قد أرتكبت من السائق وبسيارته الخاصة وليس بسيارة المحافظة, فإن المسئولية يتحملها مرتكب الواقعة بشخصه, وليس المحافظ الذى لا يسأل جنائياً أو تأديبياً عما أرتكبه سائقه من أفعال.
بمناسبة انتخابات مجلس النواب, ألم يحن الوقت لتطبيق نظام التصويت الالكترونى بدلا من التصويت اليدوى؟ إن تطويع التكنولوجيا لخدمة العملية الانتخابية لم يعد ترفا, بل أصبح ضرورة ملحة من أجل ترشيد الموارد والنفقات, وأيضا من أجل ضمان حسن سير العملية الانتخابية على الوجه الأمثل والمأمول.
إن السودان واليمن ليسا مجرد دولتين على خريطة مضطربة, بل هما خط الدفاع الأخير عن استقرار الإقليم العربى كله, والحفاظ على وحدتهما ليس موقفا سياسيا, بل ضرورة وجودية, قبل أن يكتب التاريخ فصلا جديدا لايملك أحد رفاهية احتماله.
الروح تقرأ ماتعجز عن رؤيته العيون.










