الإخبارية ناشونال انتريست
لا يبدو أن واشنطن تدرك أنها تمتلك نفوذًا أكبر على الملكيات النفطية الثرية في الخليج الفارسي مما تمتلكه تلك الدول عليها. وينبغي لها أن تستخدم هذا النفوذ.
في 9 سبتمبر/أيلول 2025، أطلقت 15 مقاتلة إسرائيلية 10 صواريخ على مبنى في الدوحة، قطر، كان يضم أعضاء من فريق التفاوض التابع لحركة حماس. وأسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، من بينهم ضابط شرطة قطري كان في موقع الحادث. وقد أثار الهجوم الإسرائيلي على قطر — التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط — مزيجًا من الصدمة والاستياء لدى أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
لطالما سعى قادة الخليج إلى توثيق علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة عبر شراء الأسلحة الأميركية أو استضافة قواعد عسكرية أميركية على أراضيهم. وقد انطلقت هذه الاستراتيجية من اعتقاد مفاده أن تشابك مصالحهم الأمنية مع واشنطن سيحميهم من الفوضى التي تعصف ببقية المنطقة. غير أن الضربات على الدوحة حطّمت هذه الأوهام. ومع ذلك، ورغم أن الهجوم وُصف على لسان رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بأنه «لحظة مفصلية» في تاريخ المنطقة، فإن رد فعل دول الخليج جاء باهتًا. فبدلًا من فك الارتباط مع المنظومة الأمنية الأميركية، ضاعفت دول مجلس التعاون اعتمادها على الضمانات الأمنية الأميركية.
وعمّقت قطر علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة بتوقيع اتفاق دفاع مشترك يعتبر أي هجوم مسلح على الدوحة «تهديدًا للسلم والأمن في الولايات المتحدة». وبالمثل، وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، اتفاقًا دفاعيًا كبيرًا، قال عنه البيت الأبيض إنه «يؤكد أن المملكة تنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها شريكها الاستراتيجي الأساسي».
تعكس القرارات التي اتخذها قادة الخليج في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر وضعهم الإقليمي الهش. فدول الخليج تدرك أنه لا توجد قوة عالمية قادرة على أن تحل محل واشنطن بوصفها الضامن الأمني. علاوة على ذلك، فإن دول مجلس التعاون غير قادرة على التحوّط من الضمانات الأمنية الأميركية عبر تعزيز الروابط الدفاعية فيما بينها، إذ تتصادم أجندات الاستقلالية الاستراتيجية لكل دولة مع التعددية الكامنة في منظمات الدفاع الجماعي. ويتعيّن على واشنطن أن تستثمر موقعها التفاوضي المميّز عبر عدم الإفراط في تقديم الضمانات الأمنية لدول الخليج، لأن ذلك سيزيد من تورطها في المنطقة.
لماذا تسعى دول الخليج إلى الاستقلالية الاستراتيجية
كانت احتجاجات الربيع العربي عام 2011 وما تلاها من اضطرابات من بين العوامل الرئيسية التي دفعت قادة الخليج إلى السعي نحو الاستقلالية الاستراتيجية. فسقوط نظام حسني مبارك في مصر، الحليف الوثيق للسعودية، ودعوات إدارة أوباما للرئيس المصري إلى التنحي، أجبرت قادة الخليج على مواجهة أسئلة جوهرية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد وقفت مكتوفة الأيدي وسمحت بسقوط نظام حكم استمر 30 عامًا، فمن يضمن أنها ستقدم أي مساعدة إذا وجدت الملكيات الخليجية نفسها تحت ضغط شعبي مماثل للتنازل عن السلطة؟
وعلى مقربة من ديارهم، أصابت انتفاضة البحرين عام 2011 جوهر مخاوف قادة الخليج، إذ أثارت الطبيعة ذات الغالبية الشيعية للاحتجاجات شكوكًا حول تدخل إيراني في الشؤون الداخلية للمنطقة. ورأت السعودية — التي تضم عددًا كبيرًا من المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط — أن التدخل الإيراني في سياسات الخليج يشكّل تهديدًا وجوديًا لأمنها. وتوقعت المملكة ردًا أميركيًا يوازي خطورة الموقف. غير أن إدارة أوباما، بدلًا من دعم النظام البحريني، أدانت العنف ضد المتظاهرين ودعت إلى ضبط النفس.
أثار رد واشنطن غضب قادة الخليج ودفعهم إلى تغيير نظرتهم للضمانات الأمنية الأميركية. وقد لخّص أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي السابق للشؤون الخارجية، هذه الاستراتيجية الجديدة بقوله: «لن تضمن أي دولة خارجية الأمن الإقليمي بعد الآن، كما فعلت بريطانيا سابقًا، وكما فعلت الولايات المتحدة حتى وقت قريب. نحن [دول الخليج] يجب أن ننهض بالمهمة». غير أن قادة الخليج، في سعيهم إلى الاكتفاء الذاتي، لجؤوا إلى الخبرة الأميركية لبناء القدرات المحلية، ما أدخلهم في معضلة زادت من اعتمادهم على الولايات المتحدة.
دول الخليج ومعضلة الاكتفاء العسكري الذاتي
من إجراء التقييمات التنظيمية إلى قيادة وحدات العمليات الخاصة بأكملها، تشكّل الخبرة الأميركية العمود الفقري لأجندات التحديث العسكري في دول الخليج. وقد سلّطت سلسلة تحقيقات نشرتها صحيفة واشنطن بوست عام 2022 الضوء على الحجم الهائل لاستعانة قادة الخليج بعسكريين أميركيين متقاعدين للإشراف على الإصلاحات. ووجدت التحقيقات أن ما يصل إلى 280 عسكريًا أميركيًا سابقًا يعملون كمقاولين في الإمارات، ونحو 500 في السعودية. ويؤدي المتعاقدون الأميركيون أدوارًا متنوعة، من مستشارين
استراتيجيين إلى مشغلي طائرات مسيّرة وخبراء في الدفاع الصاروخي. كما حدّدت التحقيقات عددًا من كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين المتقاعدين الذين قدّموا خبراتهم للرياض وأبوظبي.
وكُلّف ستيفن توماجان، وهو مقدم متقاعد في الجيش الأميركي، من قبل رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد بقيادة «المجموعة 18»، وهي وحدة مروحيات العمليات الخاصة التابعة للحرس الرئاسي، والتي خاضت معارك ضارية خلال حرب الإمارات في اليمن. ولاحقًا، تولى توماجان قيادة قيادة الطيران المشترك في الإمارات، التي تشغّل معظم مروحيات القتال في البلاد.
وبالمثل، استعان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالجنرال الأميركي المتقاعد جيمس إل. جونز، القائد السابق لقوات مشاة البحرية الأميركية برتبة أربع نجوم، لإجراء تقييم تنظيمي للقوات المسلحة السعودية. وفي عام 2017، وافق جونز على تنفيذ المشروع وشكّل فريقًا من جنرالات أميركيين متقاعدين من رتبة أربع نجوم للمساعدة في المهمة.
تُظهر أمثلة الجنرال جونز والمقدم توماجان الفجوة بين الأهداف الطموحة للاستقلالية الاستراتيجية التي يعلنها قادة الخليج والوسائل التي يعتمدونها لتحقيق الاكتفاء الذاتي. فبدل تبني نهج تصاعدي لبناء خبرات عسكرية محلية، انجذبت دول الخليج إلى إغراءات الاستعانة بمصادر خارجية وسلوك طرق مختصرة. وقد خلق هذا القرار السياسي مفارقة اعتماد: ففي محاولتها تقليص الاعتماد على حكومة في واشنطن اعتبرتها غير موثوقة، انتهجت دول الخليج سياسة اكتفاء ذاتي تقوم في جوهرها على استمرار الاستعانة بالخبرة الأميركية. وستُبرز حرب اليمن الطابع السطحي لأجندات الاستقلالية الاستراتيجية الخليجية.
حرب اليمن وسراب الاستقلالية الاستراتيجية الخليجية
في 26 مارس/آذار 2015، أطلق تحالف من دول الخليج بقيادة السعودية حملة عسكرية للقضاء على الحوثيين، وهم جماعة مسلحة تنظر إليهم الرياض وأبوظبي بوصفهم وكلاء لإيران. وكان قادة الخليج يخشون احتمال تشكّل «هلال شيعي مكتمل»، قد ينجم عن بروز أنظمة صديقة لإيران في اليمن والعراق وسوريا، وهو اتجاه اعتقدوا أنه يشكّل تهديدًا وجوديًا للأمن الإقليمي. والمفارقة أن حرب اليمن، التي احتفى بها قادة الخليج باعتبارها دليلًا على حزمهم الجديد وقدرتهم على «تولي زمام المبادرة»، جاءت بنتائج عكسية، إذ كشفت اعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة.
فالحملة الجوية العنيفة التي شنّها التحالف في بداية الحرب، والتي بلغت ذروتها في خريف 2015 بنحو 300 طلعة جوية يوميًا، لم تكن لتتحقق من دون دعم لوجستي واسع من الولايات المتحدة، شمل التزوّد بالوقود جوًا، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وصيانة الطائرات. وكان سلاح الجو السعودي أكبر المستفيدين من عمليات التزوّد بالوقود الأميركية، نظرًا لتركيز الرياض على الحملة الجوية وقرارها تنفيذ الطلعات من قواعد في شمال المملكة بدلًا من قواعد في الجنوب الأقرب إلى الحدود اليمنية. وقد أتاح الدعم الأميركي لمقاتلات «إف-15» السعودية التحليق لساعات أطول والإقلاع من قواعد أكثر أمانًا وأقل عرضة لهجمات الحوثيين.
ومنح الدعم الكبير الذي قدمته واشنطن للتحالف الذي تقوده السعودية نفوذًا ملموسًا على كيفية إدارة دول الخليج للحرب. فقد مكّن ذلك إدارة أوباما عام 2016 من ثني الإمارات عن شن هجوم برمائي على مدينة الحديدة الساحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إذ خشيت الإدارة من أن يؤدي الهجوم إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المتردية أصلًا في البلاد. وأجبر الضغط الأميركي الجيش الإماراتي على «العودة إلى نقطة الصفر»، ما أبرز أنه، رغم التصريحات عن الاستقلالية الاستراتيجية، كانت واشنطن قادرة على تجاوز قرارات ميدانية أساسية اتخذتها الإمارات.
لماذا لا تستطيع دول الخليج الاعتماد على روسيا والصين
قيّد اعتماد دول الخليج على الدعم العسكري الأميركي قدرتها على اتخاذ القرار. ونتيجة لذلك، جعل قادة الخليج من تنويع علاقاتهم الدفاعية ركيزة أساسية في أجندة الاستقلالية الاستراتيجية. وفي سعيها إلى الاكتفاء الذاتي، عملت دول الخليج على تقليص اعتمادها على السلاح الأميركي عبر اقتناء أنظمة دفاعية من قوى كبرى منافسة، تتمتع بعدة مزايا مقارنة بنظيراتها الأميركية.
أولًا، الأنظمة التي توفرها الصين وروسيا أرخص بكثير من مثيلاتها المصنّعة في الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تُعد طائرة «وينغ لونغ 2» الصينية، التي تُعد الرد الصيني على الطائرة الأميركية «إم كيو-9 ريبر»، أقل تكلفة بما يتراوح بين 15 و30 مرة من منافستها الأميركية. إضافة إلى ذلك، لا تفرض خصوم واشنطن قيودًا سياسية صارمة على صفقات السلاح، كما هو الحال غالبًا مع الأسلحة الأميركية. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة لدول الخليج، التي تخضع صفقات استيرادها للسلاح من الولايات المتحدة لتدقيق متكرر في واشنطن بسبب الطبيعة السلطوية لأنظمتها.
غير أنه، رغم هذه المزايا، لا تستطيع دول مجلس التعاون الاعتماد على خصوم واشنطن لتلبية احتياجاتها الأمني
ة. فبادئ ذي بدء، فإن الأسلحة الصينية والروسية المتقدمة — مثل منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» — غير متوافقة مع الترسانة الحالية لجيوش الخليج من الأسلحة الأميركية. وقد اختبرت تركيا ذلك مباشرة عندما أُخرجت من برنامج «إف-35» بسبب شرائها منظومة «إس-400»، وهو قرار اعتبره مسؤولون أميركيون مبررًا نظرًا للمخاوف من أن النظام الروسي سيعرّض أمن الطائرة للخطر.
وعلاوة على ذلك، أظهرت الأحداث الإقليمية الأخيرة أن روسيا ولا الصين تبدوان راغبتين أو قادرتين على أداء دور الضامن الأمني في الشرق الأوسط. وقد تجلّى ذلك في لامبالاة روسيا تجاه الهجوم الحاسم الذي شنته قوات المعارضة ضد نظام الأسد في سوريا، وكذلك في الدعم الفاتر الذي قدمه خصوم واشنطن لإيران خلال حربها التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل.
فبينما كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تدكّ طهران، لم تقدّم روسيا والصين سوى دعم دبلوماسي، رغم مطالب الحكومة الإيرانية بمساعدة مادية أكثر جوهرية. وبالمثل، وقفت روسيا متفرجة في سوريا بينما اجتاحت قوات المعارضة مواقع جيش الأسد، ما أدى في نهاية المطاف إلى إطاحة حليف موسكو طويل الأمد. ولا يعكس سلوك خصوم واشنطن في النزاعات الإقليمية الأخيرة تصرف دولتين قادرتين على تعويض الضمانات الأمنية الأميركية، وهي حقيقة يدركها قادة الخليج جيدًا.
وإلى جانب القيود الخارجية، فإن فك الارتباط مع المنظومة الأمنية الأميركية يتطلب من دول الخليج أن تعمل كتكتل واحد، وهو أمر وجدته صعبًا في كثير من الأحيان. ولا ترغب أي دولة منفردة في مجلس التعاون في اتباع نهج «الذئب المنفرد»، خوفًا من تفويت أحدث القدرات التي تقدمها صناعة السلاح الأميركية. فضلًا عن ذلك، ومن دون بديل عملي وفوري للضمانات الأمنية الأميركية، فإن أي دولة خليجية تحاول فك الارتباط ستجد ميزان القوى في شبه الجزيرة العربية يميل بشدة ضدها.
لماذا لن تقوم نسخة خليجية من الناتو
ردًا على ما اعتُبر ضعفًا في الضمانات الأمنية الأميركية عقب الهجوم الإسرائيلي على قطر، توقّع بعض المراقبين أن يسعى قادة الخليج إلى التحوّط من الضمانات الأميركية عبر إنشاء «ناتو خليجي» طال الحديث عنه. غير أن مجلس التعاون، على خلاف حلف شمال الأطلسي، لم يمتلك يومًا خصائص «مجتمع أمني» تقليدي.
في كتابه الصادر عام 1957 «المجتمع السياسي ومنطقة شمال الأطلسي»، قدّم كارل دبليو دويتش مفهوم «المجتمع الأمني»، وعرّفه بأنه «أماكن حققت فيها الدول توقعات موثوقة للتغيير السلمي». وبعبارة أخرى، تُعد المنطقة مجتمعًا أمنيًا عندما لا يُتوقع من دولها، عبر تعاون مستدام على مر السنين، استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها ضد بعضها البعض، بل حل القضايا بوسائل سلمية.
غير أن مجلس التعاون الخليجي يفشل في تلبية تعريف دويتش. ويتضح ذلك من خلال الأزمة الدبلوماسية الخليجية عام 2017، حين فُرض حصار على قطر من قبل ثلاث دول أعضاء في المجلس (السعودية والإمارات والبحرين) بعد اتهامها بدعم الإرهاب وإقامة علاقات وثيقة مع إيران. وقطعت الدول الثلاث العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، وأغلقت مجالها الجوي أمام طيران الخطوط القطرية، ومنعت السفن القطرية من الرسو في موانئها. وردًا على ذلك، بدأت قطر بإرسال إشارات استعدادها لتصعيد الموقف.
وفي 15 ديسمبر/كانون الأول 2017، وخلال العرض العسكري بمناسبة اليوم الوطني لقطر، عرضت القوات المسلحة القطرية منظومة صواريخ باليستية قصيرة المدى من طراز «إس واي-400» صينية الصنع لم يُعلن عنها سابقًا. وكان مدى المنظومة الأقصى 400 كيلومتر، ما يمنح قطر القدرة على ضرب السعودية والبحرين والإمارات، ولكن ليس إيران. ومن خلال عرض منظومة صاروخية ذات مدى محدود كهذا، سعت قطر إلى توجيه رسالة تهديد إلى دول مجلس التعاون الأخرى، مفادها أنها تعتبرها — وليس إيران، الخصم الإقليمي التقليدي — التهديد الرئيسي لأمنها.
وتواصل تصاعد التوتر بين قطر وبقية دول مجلس التعاون، وفي ذروة الأزمة، أفادت تقارير بأن السعودية والإمارات درستا خيار التدخل العسكري لغزو قطر. غير أن وساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جنّبت المنطقة مواجهة عسكرية مكلفة. وفي نهاية المطاف، وكدليل أخير على هامشية مجلس التعاون، وُقّع اتفاق العلا الذي أنهى المواجهة وأعاد العلاقات بين الدوحة والرياض بشكل ثنائي، لا عبر الإطار المتعدد الأطراف للمجلس.
وعلى الرغم من أن علاقات قطر الودية مع إيران ودعمها لجماعات إسلامية كانت من بين العوامل التي أسهمت في أزمة 2017، فإن جذور المواجهة كانت أعمق. ففي كتابه الصادر عام 2023 «استراتيجيات عسكرية جديدة في الخليج»، أشار جان-لوب سامان إلى أن الأزمة كانت في جوهرها تتعلق بـ«قدرة دولة خليجية، هي قطر، على انتهاج أجندة سياسة خارجية مستقلة». ومع سعي قادة الخليج إلى تحقيق أجنداتهم الخاصة بالاستقلالية الاستراتيجية، أصبح من الصعب تطوير تصور موحّد للتهديدات، ما أعاق قدرتهم على السعي إلى مبادرات دفاع
جماعي.
اختلاف تصورات التهديد بين دول مجلس التعاون
على عكس حلف شمال الأطلسي، حيث يوجد إجماع تاريخي واسع بين أعضائه على أن روسيا هي الخصم الرئيسي، تمتلك دول مجلس التعاون تصورات متباينة للتهديد. وقد تجلى ذلك في الرد المجزأ للتكتل على التدخل الذي قادته السعودية في اليمن. ففي حين رأت الإمارات والسعودية في الحوثيين المدعومين من إيران تهديدًا كبيرًا للأمن الإقليمي وساهمتا بموارد كبيرة لهزيمتهم، لعبت بقية دول المجلس دورًا هامشيًا في العملية العسكرية.
وكانت مساهمة قطر محدودة، إذ نشرت قوة صغيرة قوامها بين 500 و1000 جندي لتأمين الحدود الجنوبية للسعودية، قبل أن تنسحب لاحقًا من التحالف بعد أزمة 2017. وفي الوقت نفسه، رفضت كل من عُمان والكويت المشاركة عسكريًا، مفضلتين القيام بدور الوساطة.
وعلاوة على ذلك، ورغم أن وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وصف الحوثيين بأنهم «تهديد استراتيجي لأمن دول مجلس التعاون»، فإن العملية في اليمن لم تُدار تحت قيادة موحدة للمجلس. وبدلًا من ذلك، نُفذت عبر قيادة القوات المشتركة ومقرها الرياض، رغم أن الحكومة اليمنية كانت قد طلبت رسميًا تدخل مجلس التعاون عبر قوات «درع الجزيرة».
وبالمثل، أبرز الهجوم الإسرائيلي على قطر اختلاف تصورات التهديد بين دول المجلس. ففي أعقاب الهجوم، أعلن رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: «لقد وصلنا إلى نقطة تحوّل تتطلب ردًا من المنطقة بأكملها على مثل هذا السلوك الهمجي». غير أن الرد الموحد الذي سعت إليه الدوحة من جيرانها لم يتحقق.
وعلى الرغم من دعوات قطر للإمارات لإغلاق سفارتها في تل أبيب، رفضت أبوظبي اتخاذ خطوة متطرفة كهذه، مفضّلة علاقاتها التي طُبّعت حديثًا والمثمرة اقتصاديًا مع إسرائيل على الاحتجاجات القطرية. وقد عبّر الأكاديمي الإماراتي البارز عبد الخالق عبد الله عن موقف الإمارات الحازم في تغريدة قال فيها: «الإمارات وحدها، ووفق حساباتها ومصالحها الوطنية، تقرر متى ستقطع علاقاتها مع إسرائيل».
دول مجلس التعاون لا ترغب في التنازل عن سيادتها
في عام 2011، وخلال حديثه في مؤتمر أمني بالرياض، دعا السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة تركي الفيصل إلى إنشاء قوة عسكرية موحدة في الخليج، قائلًا: «أمن شعب واحد هو أمن الجميع، واستقرار واحد هو استقرار الجميع، ومصيبة واحد هي مصيبة الجميع». وحث دول الخليج على تجاوز ما وصفه بـ«الخلافات الصغيرة»، مضيفًا: «إن التنازل عن أجزاء من السيادة الفردية هو طرح جذاب يعزز سيادتنا الجماعية».
وعقب تدخل مجلس التعاون في البحرين عام 2011 — الذي كان في جوهره عملية قادتها السعودية — تشجعت الرياض بنجاح موقعها الإقليمي الأكثر حزمًا. وتوّج هذا الزخم باقتراح من الملك عبد الله يدعو إلى «وحدة واحدة» بين دول المجلس. غير أن دعوات الملك عبد الله للوحدة لم تلقَ استجابة من بقية دول الخليج، باستثناء البحرين التي أبدت اهتمامًا بالمقترح.
وقال وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي في مؤتمر المنامة للأمن: «نحن ضد الاتحاد»، قبل أن يوضح لاحقًا: «لن نمنع قيام اتحاد، لكن إذا حدث فلن نكون جزءًا منه». وأعربت قطر والكويت والإمارات عن موقف مشابه، وإن بلهجة أكثر دبلوماسية، إذ أقرت بالحاجة إلى تعاون أكبر داخل المجلس من دون الذهاب إلى حد الموافقة على اتحاد رسمي.
وجاءت ردود الفعل المتحفظة من الدول الخليجية الأصغر على دعوات السعودية للوحدة بسبب مخاوف من دوافع الرياض الخفية. فبوصفها أكبر دول المجلس مساحةً واقتصادًا، ستكون السعودية المستفيد الأكبر من أي تكامل خليجي أوسع، بما يمكّنها من ترسيخ نفوذها المهيمن عبر إضفاء الطابع المؤسسي على قيادتها الإقليمية من خلال المنظمة. ونتيجة لذلك، غالبًا ما قوبلت مقترحات الرياض لمبادرات دفاع جماعي بتوجس من جيرانها، الذين يخشون فقدان الاستقلالية في قرارات الأمن الوطني. وقد أعاقت المخاوف من التنازل عن السيادة قدرة المجلس مرارًا على التعاون في مبادرات أمنية كبرى، مثل دمج أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي.
وعلى الرغم من تنامي تهديد البرنامج الصاروخي الإيراني، فشلت الجهود الرامية إلى دمج أنظمة الدفاع الصاروخي في المنطقة في الانطلاق. ففي عام 2015، اجتمع فريق من ممثلي الدفاع الصاروخي في دول المجلس بالكويت لبحث تطوير نظام دفاع جوي متكامل. غير أن الخلافات حول جنسية مشغلي النظام أنهت الاجتماع من دون نتائج، وكان الحضور الكبير للعناصر السعودية محور الخلاف. فالسعودية تستضيف بالفعل القيادة العسكرية الموحدة للمجلس وتسهم بمعظم عناصر «درع الجزيرة»، ورأى بقية الأعضاء أن تسليم الرياض السيطرة على نظام الدفاع الجوي خطوة أبعد مما يمكن قبوله.
غير أن جوهر الخلاف كان مسألة السيادة: من يملك حق إسقاط صاروخ باليستي وارد؟ فإذا أُطلق صاروخ باتجاه هدف في الإمارات ومرّ عبر الأجواء السعودية، فهل تقع مسؤولية إسقاطه على عاتق أبوظبي أم الرياض؟ تُبرز هذه الأسئلة الع
ائق الرئيسي أمام أي مبادرات دفاع جماعي خليجية ذات شأن: انعدام الثقة بين الدول الأعضاء. وكما أظهرت أزمة 2017، فإن مجلس التعاون لم ينضج بما يكفي بوصفه مجتمعًا أمنيًا يستبعد نشوب نزاع مسلح بين أعضائه. ونتيجة لذلك، لا تثق دول الخليج ببعضها بما يكفي للتخلي عن الاستقلالية في شؤون الدفاع من أجل أمن إقليمي أكبر.
الولايات المتحدة تهدر نفوذًا ثمينًا
كشفت القرارات السياسية الخارجية التي اتخذتها دول مجلس التعاون عقب الهجوم على قطر حقيقة غير مريحة تواجه قادة الخليج: لا يملكون أوراقًا للعب ولا يرون بديلًا عمليًا عن الضمانات الأمنية الأميركية. فبالرغم من استراتيجيات التحوّط تجاه الصين وروسيا — التي يبالغ صانعو السياسات الأميركيون في ردود أفعالهم حيالها في كثير من الأحيان — وطموحات الاستقلالية الاستراتيجية، لا تستطيع دول الخليج انتهاج سياسة خارجية تبتعد كثيرًا عن مظلة واشنطن. كما لا يمكنها الاعتماد على بعضها البعض عبر تعزيز الدفاع المشترك بسبب انعدام الثقة المتجذّر.
ومع ذلك، يواصل قادة الخليج استغلال مخاوف صانعي السياسات الأميركيين بنجاح، إذ سارعت واشنطن — بدافع مخاوف غير مبررة من احتمال فك دول الخليج ارتباطها بالمنظومة الأمنية الأميركية — إلى تقديم ضمانات أمنية من شأنها أن تورّط الولايات المتحدة في المنطقة دون داعٍ. ويتعيّن على واشنطن إعادة معايرة علاقتها مع دول الخليج بما يعكس وضعها بوصفها المزوّد الأمني الوحيد لها، مع ضمان ألا يُتخذ أي قرار بتقديم ضمانات أمنية تحت ضغط مفرط، وأن يكون متسقًا مع المصالح الأميركية.










