قصة قصيرة
كنا صبية نرتاد سينما الحرية في مدينة ميت غمر ، لكن فوجئنا بإغلاق هذه السينما ، وتوقفها عن العمل. لم يكن أمامنا سوى الذهاب إلى مدينة طنطا ، في الأعياد ، فيها كثير من دور السينما ، وفيها مسجد السيد البدوى ومقامه ، وهو من المزارات المعروفة. المدينة في ذلك الوقت كانت تمثل شيئا كبيرا بالنسبة لصبية صغار يعيشون في الأرياف. المدينة بشوارعها الواسعة ، وبناياتها العالية ، ومحلاتها الكثيرة ذات البضائع المتنوعة.
كانت الرحلة بالقطار من ميت غمر إلى طنطا ، الرحلة فقط ، متعة كبيرة بالنسبة لصبية قرويين لم يبرحوا قريتهم من قبل ، القطار العملاق بعرباته المتعددة ، ومحطاته الأنيقة على رأس كل قرية ومدينة ، وزحامه ، وصفاراته ، وأصواته العالية ، وهزاته التي تقلقل الراكب من مكانه ، ومشاهده ، ومتابعة البيوت والمزارع من نوافذه ، إنها حالة من اكتشاف عالم جديد واسع مفعم بالحياة والنشاط .
كنا نزور مسجد السيد البدوى ، ولأول مرة أرى مسجدا بهذه الضخامة والاتساع ، والناس الذين يتبركون بمقام السيد البدوي ، ويطوفون حول مقصورته الفخمة المذهبة ، هذا عالم جديد حقا . وكنا نشتري الحمص ، وحلوى بيضاء صنعت على شكل قطع الجبن القريش ، يبدو أن الصانع عرف أذواق الفلاحين الذين يأتون من القرى للتبرك بمقام السيد البدوي.
أما السينما فكانت شيئا مبهرا حقا ، بشاشتها الضخمة ، ومشاهدها بالحجم الكبير الأخاذ ، ونظامها في الدخول ، كنا ندخل سينما مصر .
سعادة الإنسان في اكتشاف الحياة ، الأطفال أكثر سعادة من الكبار لأنهم يكتشفون الحياة كل يوم ، ويفرحون كل لحظة بالجديد الذي لم يعرفوه من قبل . أما الكبار فإن الاكتئاب يصيبهم لأنهم يشعرون أنه لا جديد في هذه الحياة ، الطعام ليس بجديد ، الأماكن ليست جديدة ، التجارب كلها عاشوها من قبل فهي ليست جديدة ، لو ظل الإنسان يكتشف الحياة فسيظل طفلا حتى لو جاوز التسعين من العمر ، رأيت نوعا من هؤلاء الكبار الذين بلغوا من العمر أرذله ، وظلوا يكتشفون الحياة ، ويضحكون ضحك الأطفال الأبرياء ، ضحكات من القلب .
كانت أفيشات الأفلام مبهرة ، كبيرة الحجم ، كل شيء في السينما كبير الحجم ، الإنسان هو أصغر شيء في السينما ، أنت في السينما تستصغر نفسك أمام كل شيء فيها ، قد يكون هذا هو سر صناعة السينما . كنا ننتظر وقت دخول قاعة العرض بشوق ولهفة .
وتمر السنوات ، وأصبح طبيبا بشريا ، وأذهب لاستلام العمل في مديرية الصحة بالغربية ، وإذا بالمديرية في نفس الشارع الذي به هذه السينما التي كنت أرتادها وأنا صبي ، سينما مصر ، أمر عليها وأعجب من الشباب والصبية الذين يقفون أمامها ينتظرون وقت الدخول ، وأنسى أنني كنت مثلهم في يوم ما ، أقف أمام الأفيش أتأمله ، وأنتظر ساعة الدخول بشوق ولهفة .










