لدينا مواسم للفتنة ، تطل برأسها كل حين ، فتري القوم مستنفرين يستلون سيوفهم من أغمادها ، استعداداً للمبارزات الحامية ، والتي لاتسفر إلا عن مزيد من التشرذم والاحتقان !!.
وهاهو واحد من تلك المواسم يهل علينا هذه الأيام ، عام يلملم ثيابه ويرحل غير مأسوف عليه ، وعام جديد يطل بوجه مَجهول نتمناه خيراً !!.
وتتشكل سريعاً لوحة الفتنة ، عادة كل عام ، لا قطع الله لنا عادة ، فينبري نفر من المقاطيع وأهل الفتة والفتنة والفتوي ، لكيّ يناقشوا : هل نقول للجار المسيحي كل سنة وأنت بخير ، أم نقذفه بحجر في رأسه ، ونضيق عليه في الطرقات ، حتي نفسد عليه فرحته ، هل ننصب شجرة الكريسماس المُضاءة بالأنوار المُبهجة ، أم نشعل فيها النار ، هي والذين يحتفلون بها ، ونقيم عليهم حد الرجم والجلد ، هل يُهنئ الأبناء أمهم المسيحية المتزوجة من والدهم المسلم ، أم أن في ذلك خروجاً عن الملة ، هل بابا نويل من أهل النار باعتباره بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار !!.
وكله كوم ، وفتنة الأبراج وقراءة البخت والطالع كوم آخر تماماً ، مولد وصاحبه غايب ، فلا تفتح قناة فضائية إلا وتري المذيعة اللهلوبة ، جالسة فاغرة فاها تحاكي دهشة البلهاء ، وأمامها سيدة – ولست أدري السر في أن غالبيتهم نساء – تستعرض أمامها حظوظ الأبراج وأبخاتها ، وما سوف يحدث لها في العام القادم ، المال والحب والزواج والعمل والصحة والمرض والسفر والرحيل ، مستعينة بأوراق كوتشينة مزركشة ، تزينها رسومات غامضة لزوم الشغل والسبوبة ، وتسبل عينيها وكأنها جان ، يسترق السمع لما يصدر من عالم الغيب ، ويقرأ صفحات اللوح المحفوظ ، فتقول بأن زحل يمتطي صهوة عطارد ، والمشتري يصفع بلوتو علي قفاه ، بينما الزهرة يتعارك ونيبتون ، وهذه كلها دلائل توحي بأنه عام نحس ، يغاث فيه الناس ، وتسيل الدماء أنهارا ، وكأن الذي مضي كانت ترفرف في سماواته حمامات السلام !!.
ولكن أسوأ مافي موسم الفتنة هذا ، ماقام به مذيع لامع جهبذ صنديد مخضرم ، من استضافة مُنجمة دجالة ، لا لتقرأ الأبراج والحظوظ ، ولكن لكيّ تخبرنا عن موقفنا الاقتصادي ، ومدي صمود الجنيه في وجه الدولار ، والتضخم ، والأسعار ، والفجوة الدولارية ، وفائض الميزانية ، ونشاط البورصة ، والديون ، وفوائدها !!.
وهكذا ، بدلاً من استضافة خبراء اقتصاديين ، مثل كل دول العالم ، صرنا نعتمد في تخطيطنا لمستقبلنا علي العرافات ، والدجالات المشعوذات ، وقارئات الكف والفنجان ، وضاربات الودع ، والنفاثات في العقد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله !!.
وكل موسم فتنة وأنتم بخير !!.










