قصة قصيرة
الساعة قاربت التاسعة صباحا، إلا إن الضباب كثيف يحجب عني رؤية العالم خارج زجاج نافذة سيارة الأجرة ،سألت نفسي كيف يمكن للسائق أن يشق طريقه بهذه السهولة وسط الضباب ؟، كنت على وشك أن أساله لكني ابتلعت سؤالي حين وصلت إلى وجهتي التي أريد .
بلى هنالك ضباب كثيف، لم يكن يُخيل لي ، فحتى المطعم الذي فتح لي النادل المبتسم بابه كنت أبصر خياله بعينين يشوبهما الضباب.
دلفت إلى الداخل ،أجهزة التدفئة تفعل فعلها وتزيد أجواء المكان ألفة وتسمح لنفسها بالولوج بين ضلوعي لتدفئ قلبي المرتجف.
تفضلي سيدتي ، هل أحضر لك فطورا صباحيا أم تفضلين شيئا آخر ؟ قهوة فقط من فضلك
تكرم عيونك ستأتيك القهوة حالا لحظة من فضلك ،احضر لي فنجانين ،قهوة تركية وسط وفنجان آخر من قهوة الاسبريسو .
_حاضر مدام لكن عفوا ألست وحدك؟ ام تنتظرين ضيفا ؟ لأنني لو أحضرت فنجان ضيفك الآن قد يبرد ريثما يحضر والقهوة لا تُشرب إلا ساخنة
تأملت في وجهه طويلا ،ترددت ،هل أخبره الحقيقة بأن الضباب مازال يغشى عيني حتى وأنا داخل المطعم ، هل أقول له أن الضباب لم يفارقني منذ زمن، فلم أعد أفرق الحاضر من الماضي !
حين طال سكوتي، وراحت ابتسامة بلهاء ترتسم على شفتي الذابلتين ،احنى النادل رأسه لي باحترام مبالغ فيه كمن يُطمئِن مسنا خرفا ويشعره بأنه يصدق الترهات التي يقصها عليه ،وقال:
_تمام سيدتي كما تريدين ،واحد قهوة تركية وفنجان اسبريسو ،سيكونان عندك حالا .
فيروز تصدح من مكبر الصوت(ماأوسع الغابة وسع الغابة قلبي،يامصور ع بابي ومصور في قلبي ..شايف السما شو بعيدي ..بعد السما بحبك)
كان النادل يرقبني بعينيه الحائرتين من زاوية بعيدة في المقهى حيث يقف ،يراني ارتشف من فنجاني رشفات بطيئة ،أثرثر وأقهقه كطفلة في يوم عيد،
وعيناي مثبتتان على الكرسي الفارغ قبالتي حيث وضع النادل كوب قهوة الاسبريسو على الطاولة قربه.
ورغم الضباب الذي يحيط بي من كل جانب إلا أنني كنت أبصرك بوضوح ،أرى ابتسامتك ، وأنت تفرغ كوب الاسبريسو في جوفك دفعة واحدة كعادتك ،أضحك وأقول لك ،درويش يقول القهوة اخت الوقت تُشرَب على مهل ، فتسخر من فلسفستي التي بلا معنى وترد (انعل ابو الوقت ،العجلة مطلوبة في كل شيء).
حدثتك طويلا،اخبرتك عن الحمى التي لازمتني لأسبوع ،عن الساحرة الشمطاء في عملي والتي تزعجني دوما ،عن المشرد الذي قرأ كفي ليلة امس وأخبرني ان خط الحزن في كفي طويل ،عن جدتي التي كانت تواسيني أيام خصامنا ودموعي تهطل أمطارا وأنا أخبرها بإصرار ،سأبقى أحبه للأبد ،فترد علي بحنكتها وخبرة السبعين ،(بل ستظلين تحبين ذكرياتك معه حتى تصنعين ذكريات جديدة ،عندها ستمر السنوات وبالكاد سيخطر طيفه على بالك كضيف غريب ).
بعد ساعة وجدتني قد شربت ثلاثة فناجين من قهوتي التركية المفضلة ،بينما ظل كوب الاسبريسو خاصتك كما هو لم تمسسه يد ولا شفاه.
عندها نهضت ،دفعت للنادل ثمن قهوتنا معا ،وهمست لروح جدتي الراحلة :
(بلى ياجدتي سأبقى أحبه ،حتى أصنع ذكريات جديدة ،لكني سأصنعها معه هو ،مع طيفه،مع غيابه الأبدي،مع قهوته المفضلة ،مع صمته الممتلئ بالبوح ،مع نهاية ورحيل صنعه بالصمت الثقيل والردود المقتضبة الجافة ،بالغياب الطويل،بالضباب الذي لن تبدده شمس حارقة )
حينها سمعت جدتي تهمس لي من مكان بعيد ،(قلبك بريء جدا ياابنتي كقلب طفل يتألم لكنه لايعرف كيف يقسو أو يكره )
حملت حقيبتي وهممت بالرحيل ،فوجدت النادل يرافقني نحو الباب، تطوف على قسمات وجهه حيرة وعلامات استفهام بحجم وطول خط الحزن على كفي، الذي قرأه لي المتشرد ،ثم قال بوجل ،قهوتكما صحة وعافية سيدتي أنت ومن معك.










