لم يدخل رفائيل الغابة ليصير بطلًا، دخلها لأنه كان يختنق خارجها. كان يظن أن الأشجار أقل كذبا من الوجوه، وأن الحيوان، مهما افترس، لا يدّعي البراءة. الغابة بدت له في البدء ملاذًا، لكنه لم يكن يعلم أن الملاذ أحيانا ليس سوى فمٍ مفتوحٍ ينتظر من يقترب.
رفائيل لم يكن شجاعا كما تخيّل، كان فقط متهورا بنية طيبة، وتلك أخطر التركيبات. كان يحمل داخله يقينا ساذجا بأن لكل شيء نظاما، وبأن الغابة، مهما بدت قاسية، محكومة بتوازن لا ينهار. كان يردد في سره ما يشبه حكمة الكاتب السويسري جان جاك روسو: “الإنسان يولد حرا، لكن القيود تصنعه”، غير مدرك أن الغابة لا تصنع قيودا، بل أنيابا.
كلما توغل أكثر، انكشف له وجه آخر للحياة. لم تكن الفوضى صاخبة، بل منظمة على طريقتها. الضباع لا تعيث عبثًا، بل تعرف متى تضحك ومتى تفترس. الذئاب لا تعوي لأنها ضائعة، بل لأنها جرّبت الصمت فلم يحفظ لها مكانا. أما القرود، تلك الكائنات التي لا تملك قوة حقيقية، فقد تعلّمت فن الاستعراض: صراخ، قفز، حركات توحي بالسيادة، وكأنها تؤكد ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ساخرا: “الضعفاء أكثر من يهوى ارتداء أقنعة القوة”.
في عمق الغابة، تلاشى الفرق بين المفترس والفريسة. لم يعد الضعيف يُفترس لأنه ضعيف، بل لأنه وحيد. تعلمت الحيوانات هنا درسا قاسيا: البقاء ليس مسألة حق، بل مسألة حيلة. وكما قال العالم البريطاني تشارلز داروين ببرود العالم: “الطبيعة لا تكافئ الطيبة، بل القدرة على الاستمرار”. الغزلان انسحبت إلى الوادي، لا لأنها جبانة، بل لأنها أدركت أن المواجهة انتحار. أما الخنازير، فقد اختبأت في الوحل، تعلمت أن القذارة أحيانا درع.
غياب الأسود لم يكن فراغًا بسيطًا، كان شرخا. الزئير، حين يصمت، لا يترك هدوءا بل يترك فراغا يُغري كل صوت نشاز. القرود صعدت أعلى الأشجار، كلما علت انكشفت أكثر، لكنها لم تفهم أن العلو بلا مخالب فضيحة. الضباع أدركت اللعبة أسرع من الجميع: حين لا يكون هناك من يرسم الحدود، تُرسم بالدم. وكما قال الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز: “حيث لا قوة تضبط، تصبح الحياة صراع الجميع ضد الجميع”.
سأل رفائيل عن الأسد، لا لأنه يريده منقذا، بل لأنه كان يحتاج تفسيرا لهذا الخراب. جاءه الجواب من غراب أسود، لأن الغابة لا تسلم أسرارها إلا لمن يشبهها. الأسود مريضة في عرينها. وكل من حاول إيقاظها أو إخبارها بما يجري، لم يصل. هنا فهم رفائيل أن الحقيقة في الغابة لا تموت لأنها خاطئة، بل لأنها بلا حماية.
قرر أن يذهب. لم يكن القرار عقلانيا، بل اندفاعا أخيرا لمن لم يعد يحتمل المشاهدة. كان يظن أن مجرد الوصول يكفي، أن الكلام الصادق له قوة ذاتية. لم يكن يعلم أن الصدق في الغابة عارٍ، وأن العاري أول من يُنهش، كما قال الكاتب الفرنسي ألبير كامو: “الشجاعة وحدها لا تصنع الخلاص، لكنها قد تصنع الضحية”.
الضباع لم تمنحه شرف الموت. الموت نهاية، وهم لا يريدون نهايات، بل عبرًا مخيفة. شوّهوا وجهه. الوجه، ذلك الشيء الذي به يُعرَف الكائن ويُفرَّق. حين نُزعت ملامحه، لم يعد شاهدا، ولا خطرا، ولا حتى قصة. صار جسدا يمشي بلا تعريف. وكأنهم طبقوا مقولة الكاتب البريطاني جورج أورويل بوحشية صافية: “أسوأ ما يمكن أن تفعله بإنسان هو أن تجعله غير مرئي”.
خرج رفائيل من الغابة، لكنه لم يخرج سالما. كان حيا، نعم، لكن الحياة لم تعد تعرفه. وقف أمام المرآة، لم يجد نفسه. بحث في عينيه، في فمه، في الندوب، فلم يجد ما يدل عليه. أدرك متأخرا أن الغابة لا تعاقبك فقط على الخطأ، بل على حسن النية غير المسلحة. وأن من يتحدى الفوضى دون قوة، يصبح هو الدليل على انتصارها.
حين عاد الزئير إلى الغابة، كان كل شيء قد انتهى. اهتزت الأشجار، خمدت القرود، اختبأت الضباع. النظام عاد، لكن بثمن لا يُسترد. رفائيل لم يشعر بالانتصار، بل بالفراغ. ماذا يفعل التوازن بمن كُسروا في طريقه؟ كما قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “العالم يستقيم دائما، لكن على حساب أفراد”. صرخته خرجت مبحوحة، لا تحمل حكمة ولا دعوة، بل اعترافا متأخرا: “عندما تغيب الأسود … تستأسد القرود”.
لم تكن جملة للتداول، بل جرحا مفتوحا.
فقد تعلّم أن الغابة لا تحتاج أشرارًا كي تفسد.
يكفي أن يغيب من يرسم الحدود.
أن يسكت الصوت الذي يخيف الصغار.
فتعلو القفزات.
وتكثر الصرخات.
ويُسمّى العبث نظامًا.
والجبن ذكاءً.
والنجاة بطولة.
وهكذا انتهت الحكاية كما بدأت: غابة كما هي، أسود تعود متأخرة، قرود تفرّ، وضحية بلا وجه تحمل داخلها الحقيقة كاملة ولا تستطيع أن تقولها.










