تحية للاعلامى أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام الذى قرر للعام الثانى على التوالى استمرار حظر استضافة العرافين والمنجمين في جميع الإذاعات والقنوات المصرية.. وكنت أتمنى أن يطبق هذا القرار على كل المحطات الفضائية التى تبث من مصر وتستهدف الجمهور المصرى بالدرجة الأولى حتى ولو كانت هويتها غير مصرية .
نعم.. نحن فى حاجة ماسة- كما قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام- إلي استطلاع مستقبل المنطقة والعالم عبر التفكير العلمي وقواعد المنطق ومعطيات علم السياسة والعلوم الأخري، والاستعانة في هذا الصدد بالعلماء والأكاديميين والمثقفين.. بعيدا عن الترويج لخرافات المنجمين والمشعوذين مهما كانت شهرتهم، والذين يستهدفون إهانة العقل، وتسفيه المعرفة، وتأسيس شهرة كاذبة علي توقعات عشوائية لا سند لها من الدين او التفكير العلمى الصحيح.. فواجب وسائل الإعلام مواجهة الجهل، وتعظيم العلم، وتعزيز المنطق لقد ابتلينا خلال السنوات الماضية وخاصة مع مطلع كل عام ميلادي جديد بأشخاص بلا وعى يبحثون عن نسب مشاهدة بأية طريقة، فيتنافسون فى استضافة أدعياء وظيفتهم شغل عقول وأذهان الجماهير بتنبؤات يسيطير عليها الجهل والغباء.. ورغم تحذيرات مؤسسات وعلماء الفتوى من هذا الدجل وتلك الخرافات.. تزايدت الظاهرة فى غياب الوعى الدينى الصحيح حتى جاء قرار الهيئة الوطنية بمنع استضافة الدجالين وأدعياء علم الغيب لتستريح عقول المصريين من محترفى الخرافة فى موسمهم السنوى.
والسؤال المهم هنا: هل كل التوقعات والتنبؤات السياسية والاقتصادية فى العام الجديد محظورة فى نظر الدين؟
الواقع أن الأمر يحتاج الى تفصيل وتوضيح.. وهنا علينا التفرقة بين أمرين:
الأول: التنبأ بوقوع أحداث سياسية أو اقتصادية أو عسكرية نتيجة قراءة الواقع وتحليله عن طريق خبراء متخصصين، وهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية، فهى اجتهادات تقوم على الربط بين الأحداث، وتوقع ما يمكن وقوعه نتيجة ذلك، وهذا أمر لا توجد فيه مخالفة شرعية، وتظل مثل هذه التوقعات فى مجال الاجتهاد بين المتخصصين دون أن يحسم أحد ما سيحدث على سبيل القطع.
الثانى: الجزم بوقوع أحداث فى المستقبل ونشوب حرب أو موت شخصيات سياسية أو غير سياسية، أو انتصار فريق معين والفوز ببطولة.. فهذا ضرب من التنجيم المحظور شرعا، لأنه إدعاء بعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
نعم.. المشكلة تكمن فى هؤلاء الذين يزعمون قدرتهم على معرفة الغيب، والتنبؤ بما سيحدث للإنسان في المستقبل، وللأسف يقع كثير من البسطاء، بل وبعض المثقفين فريسة لهذه الأوهام التي تهدر فيها أموال، وتنتشر بسببها خرافات، فما يحدث للإنسان في المستقبل، أو معرفة ما حدث له في الماضي ولم يطلع عليه أحد، لا يعلمه إلا الله عز وجل.
لقد سبق وسألت العالم الأزهرى الراحل د. أحمد عمر هاشم- رحمه الله- عن موقف الشرع من هؤلاء الذين يدعون علم الغيب، وخداع الإنسان بمعرفة بعض أسراره وخصوصياته، أو التنبؤ بما سيحدث له في المستقبل؛ فأكد أن هذا السلوك يخرج بفاعله وكل من يؤمن به عن دائرة الإيمان، فالإسلام لا يعرف “الكهانة” ويدين سلوك كل من يدعي معرفة الغيب، ولذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستعانة بالكهان، والتردد على من يدعون علم الغيب، فقال عليه الصلاة والسلام: “لا تأتوا الكهان”.
وإمعانا فى الحرمة أكد علماء الفتوى أن ما يتقاضاه الكاهن من أجر على تنبؤاته حرام شرعا، حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن “حُلوان الكاهن” وهو ما يعطاه من أجر أو مكافأة، وشبه بالشيء الحلو من حيث أخذه حلوا سهلا بلا كلفة ولا مشقة، وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن، ولذلك قال العلماء على عدم جواز تقديم شيء لهم مقابل تكهنهم، كما لا يجوز لهم أخذه، لأنه كسب محرم، وأجر على عمل محظور شرعا، وضار بعقول الناس.
بقى أمر مهم أكد عليه العلماء وهو عدم جواز تصديق هؤلاء حتى ولو تصادف وتحققت بعض تنبؤاتهم السابقة ولذلك شاعت عبارة (كذب المنجمون ولو صدقوا)، فالاجتهادات العقلية لها مجالاتها وحدودها، ولا ينبغى أن تختلط أوراق المباح بالمحظور فيها، وعلى كل مسلم أن يفرق بين توقع حدوث شيىء فى المستقبل من الأحداث السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية نتيجة قراءة الواقع بموضوعية.. وبين إدعاء علم الغيب، فالأخير محرم ولا يجوز التردد على أحد ممن يدعى ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “من أتي عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد” ويقول في حديث آخر: “من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة”، فيا لها من خسارة، فالصلاة هى عماد الدين والصلة اليومية بين العبد وربه.
لذلك فالجماهير التى تصدق هذه المزاعم عليها قدرا من المسؤولية الشرعية، وطالما الإسلام حَمًلَ الدجال مسئولية نشر دجله ومزاعمه الكاذبة بين الناس، فهو يحمل أيضا من يُقبل على هؤلاء ويصدقهم.
يقول العالم الأزهرى د.محمد الضوينى وكيل الأزهر: “إن شغل الناس بخرافات المنجمين مع بداية كل عام ميلادى شكل من أشكال تغييب العقول، وصرف الناس عن مواجهة مشكلات حياتها بالعلم والتفكير الصحيح بعد الاهتداء بهدايات الشرع”.
بقى توضيح مهم وهو أن التنجيم شىء والفلك شىء آخر، وأن فهم علم الفلك أمر ضروري في الإسلام؛ لأن الشهور تعتمد على حركة القمر، وأوقات الصلوات تعتمد على حركة الشمس، كما أن كل مسلم مطالب بالتفكر في هذا الكون الهائل الذي نعيش فيه، وقد وردت كثير من الآيات التي تتحدث عن القمر والشمس والنجوم والليل والنهار والسماء والأرض، في سياق دعوة للتفكر فيها بما ينفع البشرية والإنسان في الدنيا والآخرة.. وقد اهتم علماء المسلمين بدراسة الفلك، وكانوا أول من فرق بين علم الفلك والتنجيم الزائف.
b_halawany@hotmail.com










