لم يعد الحديث عن مخطط يستهدف تقسيم وتفتيت وتخريب الدول العربية ضربا من نظرية المؤامرة، أو محاولة لتعليق الأخطاء الكارثية للعرب على شماعة الآخرين.. فكل ما يحدث على الأرض، وما نراه ماثلا أمام أعيننا، وما تستوعبه عقولنا، يؤكد أن هناك مخططا محكما لتفتيت الدول العربية الكبرى، وضرب وحدتها الداخلية، واشعال الفتنة بين أهلها.. والنتيجة الحتمية لذلك قتلى بالآلاف، وربما الملايين وتخريب كل مقومات الدولة وضياع معالمها وشحن نفوس من تبقي من أهلها بالكراهية والرغبة الجامحة فى الانتقام.
لا نتحدث هنا عن أمور نخشى وقوعها.. بل نتحدث عن واقع مؤلم عاشته الأمة العربية فى ليبيا والسودان واليمن وسوريا والصومال والعراق وقائمة الدول المستهدفة طويلة حيث لا تزال الأيادي الآثمة للصهاينة ووكلائهم فى عالمنا العربى تتحرك لبث الفتنة بين شعوب أخرى لتتحقق أحلام هذا الكيان الشيطانى المجرم فهو المستفيد الأول من كل ما يجرى فى البلاد العربية من حروب ومواجهات طاحنة نفقد فيها الأنفس البريئة، وتهدر فيها المليارات، وتدمر فيها مقومات الحياة، وتهدر فيها “قيمة الدولة” بعد ان تتحول الى عصابات وميلشيات تقاتل بعضها بعضا.
للأسف.. هذا هو التوصيف الدقيق لما تتعرض له المنطقة منذ عقود، والمخطط يتسارع، فما نشهده اليوم من صراعات داخلية، وانهيار دول، وتمدد ميليشيات، وتآكل مفهوم الدولة الوطنية، لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط –كما صرح مجرم الحرب الصهيونى أكثر من مرة- بما يخدم مصالح كيانه الإرهابى وقوى أخرى يعمل طوال الوقت لحسابها.
المخطط الجديد الذى تعيشه المنطقة العربية ينتقل بها من الاستعمار المباشر إلى التفتيت الداخلى.. ففي الماضي كان احتلال الدول يتم عبر الجيوش والدبابات، أما اليوم فقد تغيرت الأدوات ولم يعد المطلوب احتلال الأرض، بل تفكيك الدولة من الداخل، وإضعاف مؤسساتها، وضرب ثقة المواطن في وطنه، حتى تصبح الدولة عبئا على أبنائها بدل أن تكون مظلة حامية لهم.
هذا النمط الجديد من السيطرة يعتمد على إحياء الصراعات والمواجهات المسلحة التى لا تنتهي، وفى ظل الصراعات والمواجهات الدامية تختفى الحلول السياسية ونتفاهم الأزمات الاقتصادية، وتشتعل بما يكفي لاستنزاف الجميع وتهدر قيمة الدولة الوطنية…فهذا هو الهدف الأسمى لأعداء الأمة.. فالدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية، والجيش الوطني، والمؤسسات الجامعة، تشكل عقبة كبرى أمام مشاريع الهيمنة، لذلك يجري العمل على تشويهها، إما بوصفها “دولة قمعية”، أو “دولة فاشلة”، أو “دولة طائفية تنحاز لطائفة دون أخرى”.
ومع تراجع الدولة، يبرز البديل الأخطر: كيانات ما دون الدولة، تقوم على الطائفة أو العرق أو الجهة، وتستمد شرعيتها من السلاح أو الدعم الخارجي، لا من الإرادة الشعبية.. وهنا يتحول الوطن إلى مجموعة كانتونات متناحرة، لا يجمعها مشروع ولا مستقبل.
دائما يعتمد أعداء الأمة العربية على إحياء الطائفية والعرقية فهما وقود التقسيم
حيث لا يمكن لأي مخطط تقسيم أن ينجح دون الاستثمار في أخطر أسلحة العصر: (الطائفية والعرقية) حين يُعاد تعريف الإنسان العربي بوصفه سنيا أو شيعيا، عربيا أو كرديا، مسلما أو مسيحيا، قبل أن يكون مواطنا، وهنا يتم الترويج للتقسيم باعتباره حلا بدل أن يكون خيانة.
لقد أثبتت التجربة العملية أن إشعال الفتن فى عالمنا العربى أسهل من إطفائها، وأن خطاب الكراهية حين يُطلق لا يمكن التحكم في مساراته وما أن يبدأ الاقتتال الداخلي، حتى تتراجع القضايا الكبرى، وتضيع الحقوق، ويتحول الدم العربي إلى أداة تفاوض على طاولة قوى متآمرة تستهدف ضرب الوحدة الوطنية فى البلاد العربية.. ودائما يدفع المواطن العربي الثمن الأكبر لمشاريع التقسيم، ليس فقط من دمه وأمنه، بل من لقمة عيشه ومستقبله.. فالدول المنقسمة عاجزة عن تحقيق تنمية حقيقية، أو جذب استثمارات مستقرة، أو بناء اقتصاد وطني مستقل.
وفي ظل الفوضى، تتحول الثروات الطبيعية إلى غنائم تتقاسمها الميليشيات أو القوى الأجنبية، تحت شعارات الحماية أو إعادة الإعمار.. وهكذا تنتقل الدول العربية من امتلاك القرار الاقتصادي إلى الارتهان الكامل، ومن الاكتفاء النسبي إلى الفقر المزمن.
تفكيك أي دولة عربية لا يتوقف خطره عند حدودها، بل يمتد ليهدد محيطها الإقليمي بأكمله.. فالدول المجاورة تواجه موجات لجوء، وانتشار السلاح، وتمدد جماعات متطرفة، وحدودا مهددة من مليشيات وتجار الحروب طوال الوقت.. وهنا يبدو المخطط أكبر وأوسع فهو لا يستهدف الدول التى تشهد اقتتالا طائفيا أو مصطنعا فقط.. بل يستهدف الدول المجاورة التى تشهد استقرارا نسبيا حيث تشهدهجرة منظمة وغير منظمة من الدول المنهارة، وقد الوضع الذى تعيشه مصر منذ سنوات حيث استقبلت الملايين من مواطنى ليبيا والسودان وفلسطين مما يشكل ضغوطا كبيرة على اقتصادها.
لا خلاف على أن الكيان الصهيونى هو المستفيد الدائم من تفتيت الدول العربية، فإضعاف الجيوش الوطنية، وانشغال الشعوب بصراعاتها الداخلية، وتحول الدول المحيطة إلى كيانات هشة، يحقق لإسرائيل ما عجزت عنه عبر الحروب التقليدية.
بل إن إعادة تشكيل المنطقة على أسس طائفية وعرقية ينسجم تماما مع رؤية إسرائيل لنفسها كـدولة قوية مستقرة وسط محيط مفكك، ويمنحها فرصة فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة دون مقاومة حقيقية.
المؤسف أن العديد من وسائل الإعلام والنخب الفكرية تلعب دورا محوريا في هذه المعركة، حيث لا تعتمد خط الدفاع الأول عن وحدة الدول، وهو وحدة الدولة الوطنية، وهنا من العار أن تتحول بعض وسائل الاعلام العربية إلى أدوات تبرير للتقسيم، عبر تضخيم خطاب الكراهية، أو تسويق الانفصال بوصفه (حقًا طبيعيا) دون النظر إلى نتائجه الكارثية.
إن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم هو الترويج لفكرة التقسيم في الوعي العربى، لأن الدول المفتتة كيانات بلا سيادة، وحدود متنازع عليها، واقتصادات تابعة، وأجيال تنشأ في ظل الخوف والاحتراب.. لكن هذا السيناريو، رغم سوداويته، ليس قدرا محتوما.. فالتاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تمتلك وعيا وإرادة قادرة على إفشال أخطر المخططات، فالشعوب التى تدرك أن الخلاف السياسي لا يبرر هدم الوطن، وأن الإصلاح لا يأتي على أنقاض الدولة، بل عبر تقويتها وتصحيح مسارها.. هى الشعوب الواعية القادرة على حماية أوطانها.
b_halawany@hotmail.com









