لم يكن الرجل، في أي طور من أطوار التاريخ الإنساني، كائنًا معزولًا عن المرأة أو نقيضًا لها، بل شريكًا في الوجود، وفي إنتاج المعنى، وفي مواجهة شروط الحياة القاسية. غير أن البُنى الاجتماعية التقليدية، وخصوصًا في المجتمعات الزراعية والقبلية، أسندت للرجل أدوارًا سلطوية بوصفه المعيل والحامي وصاحب القرار، لا باعتبارها امتيازًا أخلاقيًا بقدر ما هي استجابة لوظائف تاريخية فرضتها طبيعة الاقتصاد والبقاء. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الدور الوظيفي إلى سلطة رمزية وقانونية رسّخت صورة “سيّد البيت” و”المرجعية المطلقة”، ما شوّه جوهر الشراكة الإنسانية بين الجنسين، وحمّل الرجل عبئًا سلطويًا دائمًا، والمرأة عبئًا تبعيًا مزمنًا.
أولًا: الجذور التاريخية لدور الرجل السلطوي
تشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن تشكّل السلطة الذكورية ارتبط بتحوّلات الإنتاج: من الصيد والجمع إلى الزراعة، ثم إلى الملكية الخاصة. في هذه المراحل، أصبح الرجل مركز القوة الاقتصادية، ما أفضى إلى تماهي القوة المادية مع السلطة الاجتماعية. لم يكن ذلك حكرًا على ثقافة بعينها؛ فالمجتمعات الشرقية والغربية على السواء عرفت أنماطًا متقاربة من “الأبوية” (Patriarchy)، وإن اختلفت في تجلياتها الرمزية والدينية والقانونية. وهكذا، لم يعد الرجل شريكًا بقدر ما صار “وصيًا”، وتحوّل الدور إلى هوية صلبة يصعب مراجعتها.
ثانيًا: التحوّل الحداثي وانكسار النموذج التقليدي
مع بزوغ الحداثة، وتقدّم التعليم، ودخول المرأة سوق العمل، وانبثاق الدولة الحديثة بقوانينها المدنية، بدأ النموذج التقليدي للرجل يتصدّع. القوانين لم تعد تمنح السلطة على أساس الجنس، بل على أساس المواطنة، والمسؤولية القانونية الفردية. في المجتمعات المدنية، انتقلت السلطة من الفرد (الرجل/الأب) إلى المؤسسة (القانون/الدولة). هذا التحوّل، وإن كان ضرورة تاريخية لتحقيق العدالة، أحدث فراغًا نفسيًا ودوريًا لدى كثير من الرجال الذين بُني وعيهم على مركزية القرار والهيمنة الرمزية.
ثالثًا: الرجل بين التراجع القسري وتحجيم الدور
في المقابل، لم يُواكَب هذا التحوّل القانوني بإعادة بناء ثقافية متوازنة لدور الرجل. فبينما تحرّرت المرأة نسبيًا من أطرها التقليدية، وجد الرجل نفسه أمام صورتين متناقضتين:
صورة موروثة تطالبه بالقيادة المطلقة والإنفاق والضبط.
وصورة قانونية حديثة تُحجّم سلطته الأسرية وتضعه في موقع مساواة صارمة، أحيانًا دون أدوات نفسية أو اجتماعية للتكيّف.
هذا التناقض أفرز ما يمكن تسميته بـ”أزمة الدور الذكوري”، حيث لم يعد الرجل “سيّدًا” كما في الماضي، ولا “شريكًا ناضجًا” بالمعنى العميق، بل كائنًا معلقًا بين نموذجين متصارعين.
رابعًا: خصوصية السياق العربي الشرق أوسطي
في المجتمعات العربية الشرق أوسطية، تتضاعف حدة الأزمة بسبب التداخل بين العرف والدين والقانون. فالقانون المدني الحديث يتعايش مع منظومات ثقافية تقليدية ما زالت تُقدّس السلطة الذكورية، ومع تأويلات دينية اجتماعية تكرّس الأدوار النمطية. النتيجة هي رجل مطالب بالإنفاق والحماية دون امتياز القرار، ومطالب بالتخلّي عن السلطة دون أن يُمنح اعترافًا بدوره العاطفي والإنساني الجديد. هنا يتخذ الصراع طابعًا غير معلن، يتجلّى في ارتفاع نسب التوتر الأسري، والانسحاب العاطفي، وأحيانًا العنف الرمزي أو الصامت.
خامسًا: أزمات الرجل المعاصر
يمكن تلخيص أزمات الرجل اليوم في ثلاث مستويات مترابطة:
- أزمة الوجود: تساؤل عميق حول “من أنا” خارج نموذج السلطة.
- أزمة القرار: تراجع الدور الحاسم داخل الأسرة والمجتمع، مقابل مسؤوليات مستمرة.
- أزمة الهوية: صراع بين ما تربّى عليه وما يُطلب منه قانونيًا وأخلاقيًا اليوم.
هذه الأزمات لا تعني “نهاية الرجل”، بل نهاية نموذج تاريخي محدّد للرجل.
سادسًا: مخرجات التحوّل وآفاق المستقبل
مستقبل الرجل مرهون بقدرته على إعادة تعريف ذاته لا بوصفه سلطة، بل بوصفه شريكًا كامل الإنسانية. تشير المؤشرات الاجتماعية إلى أن النموذج القادم للرجل سيكون:
- رجل الشراكة لا الهيمنة: يقوم دوره على التكامل لا السيطرة.
- رجل المسؤولية الواعية: يتحمّل التزاماته الأخلاقية والعاطفية لا بوصفها فرضًا سلطويًا، بل خيارًا إنسانيًا.
- رجل الهوية المرنة: قادر على التوفيق بين القانون والقيم، وبين القوة والاحتواء.
غير أن هذا التحوّل لن يتم تلقائيًا؛ بل يتطلّب إعادة بناء الخطاب التربوي، وتطوير مناهج التعليم، وإنتاج خطاب ثقافي لا يُشيطن الرجل ولا يُعيد إنتاج سلطويته، بل يعترف بأزمته ويمنحه أدوات العبور.
إن ما يعيشه الرجل اليوم ليس تراجعًا بقدر ما هو مخاض تاريخي عسير. فكما خرجت المرأة من أسر أدوارها التقليدية بثمن نفسي واجتماعي باهظ، يمرّ الرجل اليوم بتجربة مماثلة. المستقبل لا يتّسع لسلطة أحادية ولا لتبعية مقنّعة، بل لشراكة إنسانية ناضجة، يعاد فيها توزيع الأدوار على أساس الكفاءة والاختيار والكرامة المشتركة. وفي هذا الأفق، لا يُقصى الرجل، بل يُعاد إنقاذه من صورة لم يعد العالم قادرًا على احتمالها، ولا هو قادر على العيش داخلها.









