بيني وبين الرسائل الورقية عشق قديم ، أتلقاها وأكتبها !!.
كنت عندما أمسك بقلمي ، وأضمه بين أصابعي ، كأنني موسيقي يحتضن عوده بين حنايا قلبه ، أملي عليه مكنون مشاعري ، وأبثه شكواي ولوعتي ، وكثيراً ما كانت تسيل دموعي علي الورق ، فتصطبغ الكلمات والحروف بالأزرق الشجي ، أو الأسود الحزين ، أو الأحمر الدامي !!.
وكان ( للبوسطجي ) في قريتنا شنة ورنة ، فعندما يتجول في طرقات القرية المخنوقة ، تطل الرؤوس وتشرأب الأعناق من خلف زجاج النوافذ منادية : ( مفيش حاجة ياعم السيد ) ، وعم السيد البوسطجي المنتفخ الأوداج لا يرد ، فلا وقت عنده للرد علي مئات الأمهات اللاتي ينتطرن رسالة من ولدهن الجندي الرابض علي جبهة القتال !!.
فإذا ما وصلت رسالة منه ، تجمعت نسوة الحيّ والأهل والأقارب ، ثم يستدعون مَن يقرأها – وكنت كثيراً ما أحظي بهذا الشرف – فأتلو الرسالة ، ولا أكتفي بما فيها ، وإنما أضيف من عندياتي ما يطمئن قلب الأم الملتاعة ، والأخوات والأب الشغوف !!.
ومن بين الدموع المتدفقة من المآقي ، أسمع صدي صوت الأم تقول : ( وحشتني أوي ياواد ياسعد ) ، وأنا أقرأ عليها أن ( سعد ) سوف ينزل قريباً وتراه ، وأنه بخير ، ويستعد وزملاؤه ليوم الثأر !!.
وكان ( عم السيد البوسطجي ) وقتئذ يقنع بشرش ثوم أو ربطة بصل ، لقاء توصيله الرسائل !!.
ثم جاء الانفتاح ، والسفر إلي دول النفط ، وصارت الرسائل مغموسة بشيكات دولارية وريالية ، وعرفت نسوتنا سكة البنوك وتغيير العملة والسوق السوداء ، ولم يعد ( عم السيد البوسطي ) يرضي بأقل من عشرة جنيهات كاملة ثمن توصيل الرسالة ، وقطعة قماش صوف وأروصة سجائر أجنبية ، هدية من المحروس عند عودته !!.
نعم ، كم أشتاق إلي كتابة تلك الرسائل الورقية اليوم ، فقد كانت للحروف روح ، والكلمات تدب فيها الحياة ، وعندما أفض ما أحتفظ به منها في أدراجي ، أعود إلي الوراء عشرات السنين ، وأشم في سطورها عبق الزمن الجميل وعطر الأحبة ، والأنفاس الصادقة ، وبقايا قطرات دموع لم تجف بعد ، بعدما تبدلت الرسائل ، فأصبحت اليوم جافة يابسة قاسية ، حروف الكترونية لا روح فيها ، وتعبيرات معلبة جاهزة لا مصداقية لها !!.
نعم ، أشتاق إلي رسالة ورقية ، أكتبها وتكتبني ، أو أتلقاها وتتلقاني ، فهل من مُجيب ، أم أنني دقة قديمة !!.










