لم يجعل الله – سبحانه – من يوسف الصديق البطل الوحيد في قصته التي استحوزت على سورة قرآنية كاملة ، لم يُذكر فيها سواه ، ولا من والده يعقوب النبيّ ، ولا أخوته الأحد عشر سبط بني إسرائيل ، ولا من صاحبيه في السجن ، ولا العزيز وامرأته ، وإنما كان قميص يوسف بطلاً فاعلاً أيضاً في الأحداث الدراماتيكية منذ بدايتها وحتى النهاية !!.
وقد ذُكر القميص في ثمانِ مَواقع من السورة البديعة ، سبعة منها صراحةً ، والثامنة تلميحاً ( فلما جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ) !!.
ولعب القميص ثلاثة أدوار ، وثلاث مَهام ، وكان دوره الأول الخداع والتستر على جريمة قتل ، والكذب ، حين ألقوا يوسف في الجُب ، ثم لطخوا قميصه بدمٍ كَذِب ، وعادوا إلى والدهم عِشاءً يبكون ، وزعموا أن الذئب افترس أخاهم الغلام الصغير وهم مشغولون عنه باللعب واللهو ، ورغم عدم تصديق يعقوب لهم ، إلا أنه استسلم لقضاء الله !!.
وشبَّ يوسف ، وبلغ الفتوة والرجولة ، وزاد حُسنه وتلألأ جماله ، فشغفت به امرأة العزيز ، وهامت به ، وراودته عن نفسه ، وتهيأت له ، بعدما دعته إلى فِراشها الوثير وغلّقت دونهما الأبواب ، لكن برهان ربه حجبه وحماه وحَصّنه !!.
لكن أنّي له أن يُثبت براءته في مُخاصمة سيّدة القصر ، الآمرة الناهية ، وتقدم القميص ليلعب الدور وحده في إنقاذ يوسف من القتل أو التعذيب أو السجن ، حين تأكدت مُحاولة هروبه ومقاومته ، وتعلق امرأة العزيز به ضعفاً أمام رغبتها الجامحة ، فقدّت قميصه من دُبرٍ ، أي من خلفه ، فنجا !!.
وحزن يعقوب الأب واستطال حزنه دهراً ، حتى ابيضت عيناه ، ولفه الظلام والعمي ، فيعود قميص ولده يوسف لكيّ يُنقذ الوالد المكلوم ، فيأمرهم يوسف أن يلقوه على وجه الشيّخ ، فيعود إليه بصره الذي فقده لفقدان ولده الأقرب إلى قلبه !!.
هذا قميص يوسف ، بطل من أبطال الرواية الخالدة ، والعامرة بكل صنوف الحِكمة والعِظات ، لمن يتأملها بعين المُحب ، وقلب العاشق ، وعقل المُنصف المُتجرد ، فيتأكد له – صِدقاً – بأنها ( أحسن القصص ) !!.










