السبت , 24 أكتوبر 2026

مأمون الشناوى أيـّـن الدراكسـة.. قريتى !!

إنها قريتى النيلية التى أحببتُها حَدَ العِشق ، والتي لم يتبق منها سوى رُفات وعظام الأحبة الراحلين !!.
كُنتُ أخرجُ من بيّتِنا فيُصافحُ عيّنىّ بِساطٌ أخضرُ مُمتدٌ أمامى حتى يُعانق الأفُق ، اليوم ، سرت بين جُدران صماء وكُتل أسمنتية وبوابات حديدية حتى كلّت قدماى ، فعُدت أدراجى مكسورَ الوجدان مهموما !! .
أين « سواقيها » التى كم تعلقنا بنيّرها وقذفنا أشجارها بحجارة طفولية فتساقط التوت منها رطباً جَنيّاً !! .
أيّن « طريق البحر » الذى كم شهد جماعات من شبابها كأسراب الحمام الأبيض تتحاور ، وتعرض لقضايا الدين والفلسفة والعلم فى جديّة وحماسة ، ورذاذ النيل البارد يتسلل عبر مسامها فيُنعش الذاكرة ويُشعل مواقد الفكر الخلاّق !! .
اليوم ، أراهُ مُكتظاً مخنوقاً بالتكاتك والزبالة ومُخلفات المستشفيات والهواء الفاسد وبائعى البانجو والألفاظ السوقية !! .
أين « ترانيم الفجر » تنبعث من أعلى مِئذنة المسجد الكبير بصوت الشيخ « محمد أبو يوسف » ومن خلفه ولده الشيخ « فتوح » فتتزاحم الملائكة على الصوت الشجىّ الرخيم وتنقله الى السموات العُلا ، اليوم ، استبدلنا بها أبواقاً زاعقةً وميكرفوناتٍ صاخبة تنقل الشعائر ليلة من أسيوط وليلة من طنطا فلا تدرى فى أىّ البلاد أنت !! .
شوارع قريتى التى حفظت مساراتها وانحناءاتها والتواءاتها عن ظهر قلب ، هاهى تفيض بالرطوبة والذباب والدراجات البخارية والتكاكت رغم ارتفاع البنايات والفيلات وفخامتها !! .
أين قريتى التى كانت مَوئلاً لحفظة القرآن الكريم ، وكعبة المُشتاقين والساعين الى حفظ كتاب الله فى كتاتيبها الرائدة ، والتى كان بها مجلس للفُقهاء يضم ثلاثين حافظاً للقرآن الكريم كان والدي واحداً منهم ، وكانوا من خِيار الناس وحاملي البركة ومصابيح تبرق في سماء القرية ، وكان من بينهم ثلاث نساء ، اليوم ، لاتعثر فيها على شيخ واحد أو فقيه واحد ، اللهم بعض المُعاقين الذى اضطرته إعاقته الى التعلق باللقب رغم أن حصيلتة من القرآن لاتتعدى سورتىّ « الواقعة وياسين » لزوم السبوبة !! .
أين الصُفصاف والجميز ونخل البلح وعزبة الباشا وهويس المياه ورائحة الخبز والمعمر والفطير المشلتت تنبعث من أفرانها كل صباح ، نعم والله كل صباح !! .
أين الناس والأصدقاء والبنات الجميلات والشباب العفىّ ولاعبو الكرة !! .
أين هم من هذا المَسخ الذى يصدمنى من ذوى البنطلونات الساقطة المُدلاة ، والنسوة المختمرات والمنتقبات ، والوجوه التى تنقلك الى شوارع بولاق الدكرور وأرض اللواء وكفر طهرمس ، وحواري وأزقة شيكاغو !! .
قريتى يارفاق ضاعت ؛ لم يبق صامداً فيها سوى المقــابر ، حتى المقابر صارت طابقين وثلاثة ، لكن ساكنيها لم يتغيروا ولم يتبدلوا ، والطريق إليها يقربك من الأحبة ، ويُطمئن قلبك الى أن الماضى الجميل الذى عشته مكنون هنا ، وإن تجسد بين الجدران الرطبة تُراباً وعظاماً نخرة !! .
فهل لى أن أحلم بعودة قريتى الثريّة العامرة الزاخرة ( الدراكسة ) إلى سيرتها الأولى ، أم أنه محض خيال شاعر عاشق موهوم !!.
وعندما سألت عرفت أن هذا ليس حال قريتى الحبيبة فقط ، وإنما صار حال كل قُرى مصر المحروسة ، والتى انتقلت من عصر تبادل إهداء اللبن بين الجيران ، إلى عصر بيعه بعد غِشهِ وخلطه بالماء ، ولاحول ولا قوة إلا بالله !! .

شاهد أيضاً

لواء دكتور سمير فرج يكتب.. إغراق إيلات التي ترقد في القاع أمام سواحل بورسعيد

يوم 21 أكتوبر عيد القوات البحرية المصرية، وهو اليوم الذي دمرت فيه البحرية المصرية أكبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *