إنها قريتى النيلية التى أحببتُها حَدَ العِشق ، والتي لم يتبق منها سوى رُفات وعظام الأحبة الراحلين !!.
كُنتُ أخرجُ من بيّتِنا فيُصافحُ عيّنىّ بِساطٌ أخضرُ مُمتدٌ أمامى حتى يُعانق الأفُق ، اليوم ، سرت بين جُدران صماء وكُتل أسمنتية وبوابات حديدية حتى كلّت قدماى ، فعُدت أدراجى مكسورَ الوجدان مهموما !! .
أين « سواقيها » التى كم تعلقنا بنيّرها وقذفنا أشجارها بحجارة طفولية فتساقط التوت منها رطباً جَنيّاً !! .
أيّن « طريق البحر » الذى كم شهد جماعات من شبابها كأسراب الحمام الأبيض تتحاور ، وتعرض لقضايا الدين والفلسفة والعلم فى جديّة وحماسة ، ورذاذ النيل البارد يتسلل عبر مسامها فيُنعش الذاكرة ويُشعل مواقد الفكر الخلاّق !! .
اليوم ، أراهُ مُكتظاً مخنوقاً بالتكاتك والزبالة ومُخلفات المستشفيات والهواء الفاسد وبائعى البانجو والألفاظ السوقية !! .
أين « ترانيم الفجر » تنبعث من أعلى مِئذنة المسجد الكبير بصوت الشيخ « محمد أبو يوسف » ومن خلفه ولده الشيخ « فتوح » فتتزاحم الملائكة على الصوت الشجىّ الرخيم وتنقله الى السموات العُلا ، اليوم ، استبدلنا بها أبواقاً زاعقةً وميكرفوناتٍ صاخبة تنقل الشعائر ليلة من أسيوط وليلة من طنطا فلا تدرى فى أىّ البلاد أنت !! .
شوارع قريتى التى حفظت مساراتها وانحناءاتها والتواءاتها عن ظهر قلب ، هاهى تفيض بالرطوبة والذباب والدراجات البخارية والتكاكت رغم ارتفاع البنايات والفيلات وفخامتها !! .
أين قريتى التى كانت مَوئلاً لحفظة القرآن الكريم ، وكعبة المُشتاقين والساعين الى حفظ كتاب الله فى كتاتيبها الرائدة ، والتى كان بها مجلس للفُقهاء يضم ثلاثين حافظاً للقرآن الكريم كان والدي واحداً منهم ، وكانوا من خِيار الناس وحاملي البركة ومصابيح تبرق في سماء القرية ، وكان من بينهم ثلاث نساء ، اليوم ، لاتعثر فيها على شيخ واحد أو فقيه واحد ، اللهم بعض المُعاقين الذى اضطرته إعاقته الى التعلق باللقب رغم أن حصيلتة من القرآن لاتتعدى سورتىّ « الواقعة وياسين » لزوم السبوبة !! .
أين الصُفصاف والجميز ونخل البلح وعزبة الباشا وهويس المياه ورائحة الخبز والمعمر والفطير المشلتت تنبعث من أفرانها كل صباح ، نعم والله كل صباح !! .
أين الناس والأصدقاء والبنات الجميلات والشباب العفىّ ولاعبو الكرة !! .
أين هم من هذا المَسخ الذى يصدمنى من ذوى البنطلونات الساقطة المُدلاة ، والنسوة المختمرات والمنتقبات ، والوجوه التى تنقلك الى شوارع بولاق الدكرور وأرض اللواء وكفر طهرمس ، وحواري وأزقة شيكاغو !! .
قريتى يارفاق ضاعت ؛ لم يبق صامداً فيها سوى المقــابر ، حتى المقابر صارت طابقين وثلاثة ، لكن ساكنيها لم يتغيروا ولم يتبدلوا ، والطريق إليها يقربك من الأحبة ، ويُطمئن قلبك الى أن الماضى الجميل الذى عشته مكنون هنا ، وإن تجسد بين الجدران الرطبة تُراباً وعظاماً نخرة !! .
فهل لى أن أحلم بعودة قريتى الثريّة العامرة الزاخرة ( الدراكسة ) إلى سيرتها الأولى ، أم أنه محض خيال شاعر عاشق موهوم !!.
وعندما سألت عرفت أن هذا ليس حال قريتى الحبيبة فقط ، وإنما صار حال كل قُرى مصر المحروسة ، والتى انتقلت من عصر تبادل إهداء اللبن بين الجيران ، إلى عصر بيعه بعد غِشهِ وخلطه بالماء ، ولاحول ولا قوة إلا بالله !! .










