ونحن على مشارف الستين أعتقد أنه حق لنا الحديث والتقييم للتجربة الحياتية والانسانية التي عشناها بحلوها ومرها بأفراحها وأتراحها بانتصاراتها وانتكاساتها.
ولدنا في زمن النكسة ولكن لم نشعر بها لكوننا صغاراً ولكن تحملنا تبعاتها وتجرعنا مرارتها وتفتح وعينا على نصر أكتوبر العظيم فزادات الأماني والأحلام بمستقبل مشرق نتوق فيه للحرية والكرامة والعيش الكريم.
وكان جل أحلامنا هو العيش الكريم ولم نطمع في رغد العيش ولم نرفع سقف أحلامنا عن ذلك المطلب والذي يعني الكثير والكثير خاصة للطبقة المتوسطة والفقيرة والتي هي السواد الأعظم من الشعب، قبل أن تظهر طبقات أخرى من أغنياء الحرب والانفتاح.
في المرحلة الابتدائية أتذكر أننا كنا نشارك في فعاليات الاتحاد الاشتراكي ونتأهب كل عام لإحياء ذكرى احتفالات أكتوبر وكانت الذكرى بمنزلة عيد بحق وكانت وسائل الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب تتصارع في تقديم كل ما هو جدير بالذكرى فكانت الأقلام والأفلام العظيمة التي أشادت بالنصر والتي نراها كل عام في ذكرى الاحتفال،
وكان التلفزيون يقتصر على قناتين فقط الأولى والثانية، ولكن كان للراديو دور بارز ومؤثر في حياتنا فكنا نسمع أغاني النصر في كل مكان وكل المحال والمقاهي تذيع الأخبار والأغاني ليل نهار، وكانت الجرائد في أوج مجدها في زمن كانت للقراءة أيضا دور عظيم في حياتنا، عشنا سنوات نمجد في النصر وثورة التصحيح وإغلاق المعتقلات وذهاب زوار الفجر إلى غير رجعة،
وحلمنا بالديموقراطية وذقنا بعضاً من حلاوتها قبل مرارة الأيام العجاف الكثيرة التي توالت علينا من اتفاقية سلام مع تطبيع سياسي فقط وشكلي وظل إلى وقتنا هذا مرفوض من الناحيتين الاجتماعية والثقافية لكن لم يغن عن انقسام الكثيرين وفقدان النظام لكثير من مؤيديه على المستويين المحلي والعربي،
وبغض النظر عن رأينا فيه ولكنه فعل ذلك بالأمة، ثم تلاه الانفتاح الاقتصادي الذي نخر في طبقات المجتمع، حيث سادت مفاهيم اقتصادية واجتماعية مقيتة مفادها عدم السؤال عن أسباب جني المال فظهرت طبقات جديدة من فئات الشعب وتفشت الجريمة والمخدرات التي كانت كالسوس ينخر في عظام الكيان الاجتماعي،
وظهرت الجماعات الإسلامية المتشددة وكان الارهاب ينادي من بعيد حتى دق الأبواب بقوة عند اغتيال الرئيس السادات ليفتح صفحة سوداء أخرى من تاريخ الشعب ومقدراته فظهر الإرهاب بأبشع صوره وكان على الرئيس التالي له محمد حسني مبارك الانتصار على هذه الآفة وكانت مكافحته للارهاب ومخالطته للأهالي وارتداؤه ملابس تبدو قريبة للشعب أكبر الأثر في توطيد حكمه، حتى انقلبت الأحوال بطول فترة الحكم وبعض الأخطاء والتجاوزات التي عانى منها الشعب ومحاولة التوريث حتى ظهرت ثورة 25 يناير وحلمنا مرة أخرى أحلاما جميلة كنا قد نسيناها وكنا ننشدها لنا وللأجيال القادمة، كما ضحت كثير من الأجيال السابقة لأجلنا ولكن هيهات.
دخلنا في معترك سياسي رهيب قسم الشعب مرة أخرى، تولت جماعة الاخوان المسلمين الحكم، وفشلوا في كسب ود واحترام الشعب المصري بكثير من الأخطاء والتجاوزات، ثم جاءت ثورة 30 يونيو لتكتب صفحة أخرى جليلة من تاريخ الشعب الذي طال انتظاره وطال حلمه بمستقبل أكثر إشراقا وأمنا وأمانا.
ومن المنصف والطبيعي ألا نقيم مرحلة إلا بعد انتهائها، ورغم المنغصات والعراقيل والمشكلات التي تحيط بالشعب ولأنها فترة عصيبة صعيبة، فالخروج من ثورة يعني الكثير فما بالنا بثورتين، والتاريخ يؤكد لنا على مر العصور أن الشعوب تنتظر سنوات كثيرة حتى يتحقق لها ما تريد وحتى تجني الثورات ثمارها، ولكن نبقى دوماً نأمل في خير قادم وغد أجمل ولا شك أن الجميع في انتظار هذا الخير..
وكل ما أتمناه من الله أن نختم حياتنا بفرحة وأمل على مستقبل مشرق لأولادنا حتى نتركهم في رعاية الله وأمنه وحب وطن رغم كل المصاعب والمحن لم يبخل علينا أبدا بالحب والعطاء، والذي جعلنا نقوى على الأيام ونواجه المحن والأهوال حتى نعيش مرفوعي الرأس فخورين بالانتماء لبلد عظيم وتاريخ أعظم.. حفظ الله مصر وأهلها.










