في زمن أصبحت فيه السماء حديقة خلفية للبشرية، والفضاء ساحة للمنافسة العلمية والتكنولوجية، تواصل الصين كتابة فصول جديدة في ملحمة استكشاف القمر. اليوم، الأربعاء الحادي عشر من فبراير ٢٠٢٦، لم يكن مجرد يوم عادي في تقويم بكين، بل كان محطة فارقة في تاريخ برنامجها الفضائي المأهول.
إنجاز يلامس عنان السماء
من منصة الإطلاق الجديدة في مركز ونتشانغ لإطلاق المركبات الفضائية بمقاطعة هاينان الجنوبية، أطلقت الصين صاروخها الحامل الاستراتيجي “لونغ مارش-10” في أول رحلة تجريبية له بهيئته الأولية. لم تكن مجرد تجربة إطلاق عادية، بل كانت اختباراً متكاملاً للهندسة والفيزياء والجرأة الإنسانية.
نجحت وكالة الفضاء الصينية المأهولة في تنفيذ اختبار الطيران منخفض الارتفاع للصاروخ، بالتزامن مع اختبار الطيران الديناميكي لإلغاء الضغط لمركبة الفضاء من الجيل الجديد “منغزو” – أو كما تعني تسميتها بالصينية: “سفينة الأحلام”. عند الساعة الحادية عشرة تماماً بتوقيت بكين، اشتعلت محركات الصاروخ، لترسم خطاً نارياً في سماء هاينان.
لحظة الحقيقة: اختبار الهروب عند أقصى ضغط ديناميكي
اللحظة الأكثر خطورة في أي رحلة فضائية ليست الإطلاق، بل احتمالية حدوث طارئ أثناء عبور المركبة لمنطقة أقصى ضغط ديناميكي – تلك المنطقة التي تتعرض فيها المركبة لأقصى قوى فيزيائية. هنا، كان الاختبار الحقيقي.
عند وصول الصاروخ إلى الظروف المحاكية لأقصى ضغط ديناميكي، تلقت المركبة “منغزو” إشارة الهروب من الصاروخ، لتنفصل عنه بنجاح وتنفذ مناورة الهروب المبرمجة. في مشهد بدا وكأنه مأخوذ من فيلم خيال علمي، هوت كبسولة العودة للمركبة الفضائية، وهوى معها القسم الأول من الصاروخ، ليستقر الاثنان في المنطقة البحرية المحددة مسبقاً. عند الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة، أكملت فرق البحث والإنقاذ البحرية استعادة الكبسولة في أول عملية إنقاذ بحري لمركبة فضائية مأهولة في تاريخ الصين.
أوليات تاريخية في مهمة واحدة
ما يجعل هذا الاختبار استثنائياً ليس نجاحه فقط، بل ما يحمله من “أوليات” متعددة في رحلة واحدة:
- أول إطلاق للصاروخ لونغ مارش-10 بهيئته الأولية.
- أول اختبار للهروب عند أقصى ضغط ديناميكي لمركبة فضائية مأهولة في تاريخ الصين.
- أول هبوط بحري محكوم لكبسولة عودة لمركبة مأهولة وللقسم الأول من الصاروخ معاً.
- أول مهمة إطلاق من منصة الإطلاق الجديدة في ونتشانغ.
سفينة الأحلام: هندسة المستقبل
مركبة “منغزو” ليست مجرد تحديث لسابقاتها، بل هي قفزة نوعية في تصميم المركبات الفضائية المأهولة. صُممت خصيصاً لمهمات الهبوط على سطح القمر، مع قدرة على دعم العمليات في المدار الأرضي المنخفض بما فيها محطة الفضاء الصينية. الأهم من ذلك، أن كبسولة العودة صُممت لتكون قابلة لإعادة الاستخدام عدة مرات، في تحول استراتيجي نحو اقتصاد فضائي مستدام.
طريق طويل من الإعداد
لم تأتِ هذه اللحظة من فراغ. سبقها أشهر من العمل الدؤوب: اختباران للإشعال المربوط للصاروخ، واختبار هروب على ارتفاع صفري لمركبة “منغزو”، واختبارات متكاملة للهبوط والإقلاع لمركبة الهبوط القمرية “لانيوي”. كل هذه الجهود تراكمت لتصل إلى هذا الاختبار المصيري.
رسالة إلى العالم
في سباق الفضاء الجديد، لا تعلن الصين عن نواياها فقط، بل تثبتها بالتجارب الناجحة. الطريق إلى القمر قبل عام ٢٠٣٠ لم يعد مجرد وعد سياسي، بل أصبح مساراً هندسياً واضحاً، ترصفه اختبارات كهذا، وتنيره كبسولات عودة تهبط بسلام في مياه البحار.
اللحظة حاسمة، والقرار التاريخي تم اتخاذه، والقمر لم يعد بعيداً. المستقبل يبدأ اليوم، والصين تقترب منه خطوة عملاقة أخرى.









