شكّلت موسكو داعما رئيسيا لنظام الأسد على امتداد حكمه الذي استمر ربع قرن، وتدخلت بقواتها لصالحه بدءا من العام 2015، وساهمت، خصوصا عبر الغارات الجوية، في قلب الدفة لصالحه على جبهات عدة في الميدان، وفر إليها عقب دخول الثوار للعاصمة دمشق.
لا شك أن المشهد كان مثيراً للغاية. فمن كان يتخيل قبل عام واحد، أن يرى الرئيس أحمد الشرع جالساً في أفخم قاعات الكرملين، محاطاً بحفاوة بالغة. وفي الطرف المقابل يجلس الرئيس فلاديمير بوتين وحوله أبرز شخصيات دائرة اتخاذ القرار في روسيا؟
وسعت موسكو منذ ذلك الحين إلى الحفاظ على علاقاتها مع السلطات السورية الجديدة، واعتمدت الحكومة الجديدة في دمشق نبرة تصالحية تجاه موسكو، إذ زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني موسكو أواخر يوليو/تموز الماضي، مؤكدا على “الاحترام المتبادل”.
وفي التاسع من سبتمبر/أيلول المنصرم، عقدت دمشق اجتماعا ثنائيا ترأسه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وألكسندر نوفاك نائب رئيس الوزراء الروسي، بحثا فيه مختلف مجالات التعاون بين البلدين، وأشار نوفاك حينها إلى أنه جاء “من أجل فتح صفحة جديدة في علاقاتنا”. خلف المشهد، ترتيب دقيق ومحكم لمجريات الزيارة والنقاشات، كما جرت العادة في بروتوكولات الكرملين. من لحظة دخول الشرع القاعة التي انتظره فيها بوتين، مع مروره بالتحية العسكرية التي أداها موظفو الحرس الرئاسي، إلى لحظة خروج عدسات الكاميرات من القاعة وبدء الاجتماع المغلق.
كان من الطبيعي ألا يتم التطرق في الجزء المفتوح إلى العناصر الأساسية التي يخفيها كل طرف في جعبته. لا حديث عن القواعد العسكرية الروسية التي يشكل استمرار وجودها أولوية أساسية بالنسبة إلى الكرملين. ولا إشارة من الطرف السوري إلى العدالة الانتقالية ومطلب تسليم الأسد. لكن الملفين كانا حاضرين بالفعل خلال النقاشات، وهو ما دلت عليه جزئياً تصريحات كل من الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف ووزير الخارجية سيرغي لافروف لاحقاً، لكن من دون الإشارة إلى توافقات محددة بشأنهما. في الملف الأول، أعلنت موسكو أن الرئيسين ناقشا مستقبل القواعد العسكرية، لكنها لم تضع توضيحات إضافية، ما عكس أن الملف ما زال يحتاج إلى مزيد من النقاشات على مستويات فنية وسياسية وعسكرية. تشير بعض التسريبات إلى رغبة مشتركة في التوصل إلى إطار قانوني جديد، ينظم هذا الوجود، ويعيد ترتيب مهام القوات وحجمها وصلاحياتها على الأرض السورية.
قام الرئيس السورى المؤقت أحمد الشرع بأول زيارة لروسيا فى 5 أكتوبر 2025 برفقة وزير الخارجية أسعد الشيبانى، ومسئولون عسكريون واقتصاديون، وذلك من أجل وضع الطرفين السورى والروسى أساسا مشتركا لإطلاق مرحلة إعادة بناء العلاقات بين البلدين على أسس تختلف عن ما كانت عليه فى عهد نظام بشار الأسد. وأن يكون التعاون بين روسيا والنظام السورى الجديد قائما على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية لكلا الطرفين.
اتخذت العلاقات بين موسكو ودمشق منذ سقوط نظام الأسد فى 8 ديسمبر 2024، مسارا اتسم بالحذر والتأنى من كلا الجانبين، الحذر حيث كانت الفصائل المسلحة بقيادة جبهة تحرير الشام التى يقودها أحمد الشرع فى حالة حرب ضد القوات الروسية التى كانت تدعم نظام الأسد الذى أعطى لروسيا ولقاعدتيها العسكريتين فى سوريا، القاعدة البحرية فى طرطوس والقاعدة الجوية فى حميميم، مزايا عديدة وحرية عمل تشمل كل المجال البحرى والبرى والجوى السورى، والتى توقفت بسقوط نظام الأسد. والتأنى لحرص روسيا على الإبقاء على قاعدتيها العسكريتين فى سوريا باعتبارهما من أهم مكاسب الوجود العسكرى الروسى فى البحر المتوسط والشرق الأوسط. وحرص النظام السورى الجديد على عدم استعداء روسيا من ناحية، وموازنة علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى إذا اقتضى الأمر ذلك وتعرض لضغوط ومطالب لا يرضاها ويصعب عليه قبولها.
قام النظام السورى الجديد بمراجعة وتقييم مجمل العلاقات السورية الروسية على مدى سنوات طويلة من حكم عائلة الأسد، ووجد أن روسيا سبق أن وقعت عدة عقود واتفاقات باستثمارات فى مجال الطاقة البترول والغاز، واستخراج الفوسفات حيث تعد سوريا خامس دولة فى العالم فى إنتاجه، والتبادل التجارى، وتسليح الجيش السورى الذى انضمت أعداد كبيرة منه إلى الجيش الذى كونه النظام السورى الجديد. وأبدت دمشق رغبتها فى استمرار العمل بهذه العقود والاتفاقيات،
وإن اقتضى الأمر تعديل أو تغيير بعض بنودها. كما أن لروسيا ديونا على سوريا، ونادت بعض الآراء السورية بأن روسيا مطالبة بتعويضات عن الأضرار الجسيمة التى لحقت بسوريا وشعبها نتيجة إطالة أمد الصراع لحماية نظام دكتاتورى كان يتعين إسقاطه دون تكبد كل هذا الدمار وتشتيت الشعب السورى ما بين نازحين فى الداخل ومهاجرين فى الخارج. وتطالب بعض الآراء بإمكانية إلغاء الديون لروسيا بدلاً من التعويضات.
وقد شهدت الفترة السابقة على الزيارة تبادل الزيارات بين موسكو ودمشق، حيث زار ميخائيل بوجدانوف نائب وزير الخارجية الروسى سوريا فى 28 يناير 2025، وأجرى الرئيس بوتين اتصااً هاتفيا مع الرئيس الشرع أكد فيه دعمه لوحدة الأراضى السورية وسيادتها. وزار وزير الخارجية السورى أسعد الشيبانى موسكو فى يوليو 2025 والتقى خلال الزيارة مع الرئيس بوتين، وكان يرافقه وزير الدفاع السورى مرهف أبو قصرة. وبحث الوفد مع المسئولين الروس العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية بين البلدين. وعقد فى دمشق فى 9 سبتمبر 2025 اجتماع روسى سورى، ورأس الجانب الروسى نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، ورأس الجانب السورى وزير الخارجية أسعد الشيبانى، وتم بحث كل جوانب العلاقات والقضايا المعلقة بين البلدين فى إطار من روح التفاهم والرغبة المشتركة فى إعادة تنشيط العلاقات على أسس ورؤى جديدة.
ويلاحظ أنه، منذ سقوط نظام الأسد، تحرص روسيا على توجيه رسائل إيجابية للنظام السورى الجديد، وتؤكد على أهمية الانطلاق من الإرث العميق للصداقة بين الشعبين الروسى والسورى للحفاظ على المكتسبات والمنجزات والمضي قدما إلى الأمام لإيجاد مناخ للتعاون البناء، واعتبار أن من أولويات سياستها الخارجية استمرار العلاقات مع سوريا.
لقى الرئيس الشرع والوفد المرافق حفاوة روسية بالغة من ناحية، وأحيطت المباحثات سواء بين الرئيسين بوتين والشرع، أو بين أعضاء الوفد السورى ونظرائه الروس، بكتمان شديد وتوافق بين الطرفين على طي صفحة الماضي وإطلاق مرحلة جديدة لاستعادة نشاط العلاقات الثنائية. وأشار بوتين إلى أن العلاقات مع سوريا على مدى عقود اتسمت دائما بطابع ودى واستثنائي، وأكد على رغبة روسيا فى إجراء مشاورات منتظمة مع القيادة السورية، وأنه قد مضى نحو 80 عاما على تأسيس العلاقات بين البلدين فى عام 1944، وأشار إلى الانتخابات التشريعية التي أجريت في سوريا مؤخرا واعتبرها نجاحا كبيرا للقيادة السورية الجديدة رغم ما تمر به سوريا داخليا من أوقات صعبة.
وأكد الشرع أن سوريا ستسعى جاهدة إلى تجديد علاقاتها مع روسيا والتركيز على الاستقرار فى سوريا والمنطقة، وأن البلدان يتشاركان جسور تعاون مهمة. وأكد على أن سوريا ستبقى على كل ما مضى من اتفاقيات، على أن تكون هناك استقلالية للحالة السورية وسلامة ووحدة أراضيها واستقرارها الأمني.
لقد تغلبت المصالح على عداوة وخلافات الماضي، وإن حرص روسيا على الإبقاء على قواعدها العسكرية في سوريا جعلها على استعداد لإعادة صياغة الاتفاق الخاص بهذه القواعد بحيث لا يكون مصرحا لها التدخل فى الشئون الداخلية السورية أو القيام بأعمال من شأنها إثارة مشاكل لسوريا سواء مع جيرانها أو مع القوى الغربية والأمريكية. ويتوقع ترحيب روسيا بذلك وبما يطلبه النظام السوري الجديد من أجل الإبقاء على هذه القواعد وحتى لا يضيع كل ما قدمته لسوريا في السنوات السابقة.
أما النظام السوري الجديد، فإنه يواجه مواقف وتحديات معقدة للغاية داخليا بخلافات مع الأقليات الدرزية والكردية والعلوية السورية، وعدم القدرة على الحد من نفوذ تركى متزايد سياسيًا واقتصاديًا مع احتلال القوات التركية أجزاء من شمال سوريا دون تقديم أي مساعدة لصد أو للحد من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ومطالبة إسرائيل بنزع السلاح في كل المنطقة الجنوبية من سوريا مع استمرار احتلالها للجولان ومناطق جديدة استراتيجية وتحريضها للدروز.
والاشتراطات الدولية والإقليمية بأن يكون النظام السوري، سواء فى مرحلته الانتقالية أو ما بعدها، مشاركا فيه بفاعلية كل طوائف ومكونات الشعب السوري، وهو مطلب يختلف مع توجهات جبهة تحرير الشام والفصائل الحاكمة معها من صياغة نظام سوري وفق رؤيتها وعقيدتها الكامنة والتي لم يخفها ما يبديه النظام الجديد من مرونة خارجية لا تطبق داخليا.
لذا فإن التوجه إلى روسيا لإحياء التعاون معها يخدم النظام السوري الجديد اقتصاديا وتجاريا وسياسيا ويحقق له نوعا من التوازن في علاقاته الخارجية، وهو ما يلقى إقبالا وترحيبا من روسيا للإبقاء على وجودها في سوريا الذى يعزز وجودها في الشرق الأوسط.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










