براء، الطفل ذو العيون المضيئة كالنجوم البعيدة، لم يكن يعلم حين يخطو على رمال الحي، أن العالم يمكن أن يختبئ خلف ابتساماته مأساةً تنتظر قربه. كان قلبه الصغير ينبض بشغف المعرفة، وروحه تحمل أحلامًا كبيرة، رسم في خياله مستقبلًا زاهرًا، حيث المدن تتزين بلمساته المعمارية، والقصور تنبض بعبق أمانيه. في دفتره الصغير، أرصف الأمنيات كأنها أحجارٍ كريمة، كل أمنية طريق، وكل حلم جسرًا يقوده نحو السماء. كان يرى نفسه في كل مبنى يخطط له، وفي كل نافذة يفتحها على الفضاء، وفي كل شارع يشقّه تصميمه، كأن العالم كله ينتظر إبداعه الصغير.
كل صباح، كان يستيقظ براءةً، يتلمس الشمس بيديه الصغيرة، يضحك للهواء، ويتحدث مع الطيور، كأنها شهود على أحلامه . كانت خطواته على الرصيف موسيقى، وحركاته، رقصة حياة تسبق العمر، وكل شيء حوله يتنفس معه: الأشجار، الزهور، حتى الطيور التي تحلق عالياً كأنها رسل السماء ترسل له تهانيها الصباحية.
ثم جاء ذلك اليوم الذي لم يكن في مخيلته، يومٌ اختلط فيه الضوء بالظلال، وتهشم فيه عالمه الصغير على صخرة الهفوات الكبرى. كان عائدًا إلى المنزل، يحمل في قلبه أحلامًا تتراقص كالشمع في الشمس، يخطو على الأرصفة بخفةٍ وبهجةٍ، لم يكن يعلم أن سيارة متهورة ستقتحم صمت الشارع كالبرق، وأن السائق الذي اختار السرعة على الوعي، هتف الهفوة باسمه. لحظات قليلة، صرخة، ارتطام، وانقلبت الحياة رأسًا على عقب.
نُقل براء على جناح السرعة إلى المستشفى، وداخل غرف العمليات، حيث من المفترض أن تُداوى الهفوة الأولى، كانت هناك هفوة ثانية؛ طبيبٌ فقد التركيز للحظةٍ قصيرة، لم يكن يقصد أن يخطئ، لكن تلك الهفوة كانت كالسيف على جسد البراءة. ارتكب خطأً لم يغتفر، فبتر ساق الطفل الذي حلم بأن يمشي بين الأبنية والخرائط، ساقه التي كانت ستحمل روحه نحو المستقبل، وتحمله بين الأبراج والقصور.
هفوتان صغيرتان، كل منهما وحشٌ في حد ذاته، جمع بينهما القدر، وجعل حياة براء جحيمًا حيًا، يمشي في ظلال الهفوات، حيث كل خطوة تذكره بما فقد، وكل لحظة تسحب من روحه قليلًا من ضوء الأحلام. كانت الأيام تتوالى، والليل يزداد طولًا في قلبه، ولكنه لم يستسلم. ظل البراءة داخله حية، رغم الألم، رغم الخسارة، رغم الهفوات التي زجت به في عالمٍ جديد من الصعاب.
جلس براء أمام نافذته، يراقب السماء كما كان يفعل قبل الحادث، يرى النجوم تتلألأ، والقمر ينير الطريق، ويهمس لنفسه: “لا تزال الحياة جميلة… رغم كل الظلال.” تعلم أن الهفوة ليست نهاية العالم، بل درسٌ قاسٍ، أن البراءة يمكن أن تتألم، وأن الأحلام يمكن أن تتوقف على أعتاب الألم، لكنها لا تموت.
براء اليوم يمشي بعكازيه، لكن خطواته تحمل قوة الروح، وإصرار الحلم، ووعي الطفل الذي تعلم أن الحياة ليست مجرد أجساد، بل إرادة، ليست مجرد طرق، بل قرار أن يمضي نحو الضوء رغم الظلال. كل خريطةٍ يرسمها، وكل تصميمٍ يخططه، يملؤه حلم أن يعيد للمدينة بسمة، وأن يجعل العالم مكانًا يمكن أن يسكنه الأطفال بأمان، حتى لو كانت ساقه قد سلبتها هفوة القدر.
ظل الهفوات يرافقه، نعم، لكنه ظلٌ لا يوقف النور الذي يولد من داخله، ظلٌ لا يستطيع أن يخمد شعلة البراءة، ظلٌ لا يمحو حلمًا رسمه طفل صغير، كان قلبه الكبير أكبر من كل هفوة، وروحه أكثر صفاءً من أي خطأ ارتكبه إنسان. فبراء اليوم ليس مجرد طفل فقد ساقه، بل رمزٌ للبراءة التي تتحدى الألم، وللأحلام التي تصمد رغم الهفوات، وللروح التي تعرف كيف تصنع من الظلال جسرًا نحو المستقبل.
الجزائر










