فاتحة الكلام
في الأمثال المغربية الشعبية نجد مجموعة كبيرة من الأمثال الشعبية، والتي فيها الحكمة الساخرة و السخرية الحكيمة، وفي إطار اهتمام الفنان الاحتفالي بواقع المسرح المغربي والعربي، يمكن ان نقف اليوم عند واحدة من هذه الأمثال، والتي قد تختزل لنا هذا المسرح، وفي كلمات قليلة جدا، صورة هذا المسرح السوريالية و الكاريكاتورية ومعها قراءته ايضا
يحدثنا هذا المثل عن ذلك الفقير و العاري، والذي لا يجد قوت يومه، والذي ساله الملك عن حاجته او عن حاجاته، وقال له ماذا تريد، وماذا تطلب منا، فكان جواب هذا الفقير هو:
ــ اريد الخاتم يا مولاي
ــ نعم، و الخاتم في اصبع الجائع خير من الخبز في بطنه، هكذا ( يفكر) من لا يحسن التفكير، و الخاتم يمكن ان يراه الناس، اما ما في البطن فإنه لا يمكن ان يراه اي أحد
ونفس هذا السؤال تقريبا تم توجيهه لفقراء المسرح المغربي العربي، ماذا تطلبون، فقال قائل منهم:
ــ نريد المهرجانات المسرحية يا مولاي، واذا كانت مهرجانات مسرحية وبدون فن مسرح وبدون جمهور مسرحي يكون احسن
ــ وحتى اللامسرح يمكن ان يكون مسرحا عند بعض مجانين المسرح، وهذا هو ما يسمى مسرح العبث عند البعض، كما يمكن ان يسمى مسرح اللامعقول عند البعض الآخر
ــ ونحن والحمد الله، والذي لا يحمد على مكروه سواه، لا شيء يسعدنا اكثر من العبث ومن اللامعقول..
ــ رسالتك وصلت .. وماذا تطلبون ايضا؟
ــ ماذا نطلب؟ نطلب التجريب المسرحي يا مولاي ..
ــ واي صنف من التجريب تريدون؟ التجريب العالم ام التجريب الواهم؟ التجريب الذي يؤسس شيئا ام التجريب الذي يخرب كل شيء؟
ــ نحن مع التجريب الذي يدمر المسرح، والذي يخرب اللغة في المسرح، والذي يقتل الكاتب في المسرح، والذي يهرب المعنى في المسرح، والذي يطرد الجمهور من المسرح، مع كل ذلك نصر على ان يبقى اسمه المسرح
ــ انعم و اكرم، الم يكن من المنطقي ان تطلبوا المسرح اولا، لأن المسرح يمكن ان ياتي بالتجريب، ولكن التجريب لا يمكن ان يؤدي إلى التيه ..
ــ المسرح لا يهم يا مولاي، وهو مجرد لدينا مجرد حجة، والمهم هو التجريب وكفى، وهو قيمة جمالية لا يعلى عليها لدى السادة النقاد ولدى السادة المسؤولين ..
ــ وما الذي تطلبونه تحديدا في هذا التجريب؟
ــ ماذا نطلب .. نطلب الذكاء الاصطناعي يا مولاي..
ــ هكذا.. دفعة واحدة. من (الحمارة الى الطيارة)؟ انا من رايي انه كان عليكم ان تطلبوا من ربكم الذكاء البشري اولا
ــ وبماذا يمكن ان يفيدنا الذكاء البشري يا مولاي، إذا كان كان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يوفر لنا كل شيء؟
ــ صحيح .. ولا احد يطلب ما لديه ؟
ــ هو ذكاء انتهت صلاحيته منذ أزمان، ونحن اليوم نضعه على الرف للزينة فقط، مع التحف القديمة، وهو ذكاء قديم و( غشيم) وما عاد ينفعنا في شيء، ولقد اخبرونا بانه ذكاء تقليدي وانه لا يساير العصر
ـ هم قالوا لكم هذا وانتم صدقتم؟
ــ وكيف لا نصدقهم يا مولاي ونحن نعرف انهم لا يكذبون؟ ثم اننا مثلهم، في هذا المسرح الذي هو مسرحهم. نحن ايضا من دعاة الحداثة، ومن دعاة ما بعد الحداثة ايضا، ومن دعاة ما بعد الدراما، ومن دعاة ما بعد الإنسان، ومن دعاة ما بعد العقل، ومن دعاة ما بعد الجمال التقليدي، وما بعد الأخلاق القديمة، وفي كلمة واحدة، نحن من دعاة ما بعد كل شيء
ــ نعم، وماذا تطلب انت شخصيا؟
انا ؟ انا اطلب ان توفروا لنا المهرجانات المسرحية، وان تنعموا علينا بالجوائز القيمة و السخية، وان توصوا النقاد والمحكمين بنا خيرا. كما اطلب التكريم والخير العميم يا مولاي
ـ وهل تستحق انت هذه الجوائز التي تطلب؟
ــ اه، انا لو كنت استحقها ما طلبتها يا مولاي، ولكانت هي التي طلبتني وليس انا الذي أطلبها.. هو تفكير منطقي اليس كذلك يا مولاي؟
ــ وهل تعرف انت المنطق؟
ــ يا مولاي .. يا مولاي .. ليس مهما ان اكون انا الذي اعرف المنطق، والأهم هو ان يكون هو الذي يعرفني .. وان ينظر إلي بعين الرحمة، وانا فنان غلبان يستحق الرحمة
ــ فعلا، انت تستحق الرحمة، وتستحق الشفقة ايضا، وتستحق ان يحسن إليك المحسنون.. ولهذا فإنني اسالك، وماذا تريد منا ايضا؟
ــ اريد جمهورا يحسن التصفيق و الهتاف يا مولاي، وحتى إذا كان هذا الجمهور ليس جمهورا بالمعنى الحقيقي فإنه لا يهم، وحتى إذا كان لا يعرف المسرح ولا يعرفني فلا يهم، وحتى إن كان لا يتردد على المسارح إلا بمناسبة المهرجانات فلا يهم ..
ــ اه .. انت تريد متفرجا يصلح لكل التظاهرات ولكل المناسبات؟
ــ بكل تاكيد.. وهذا هو ما اريده..
ــ فهمتك .. انت ريد جمهورا يصلح لكل شيء ..
ــ تماما يا مولاي..
ــ يصلح لتجمع سياسي حول زعيم سياسي، تماما كما يمكن ان يصلح للتفرج على موكب جنائزي، او على حادثة سير في الطريق العام، أليس كذلك؟
ــ وهو كذلك يا مولاي
واقف عند هذا الحد ولا ازيد، واعترف بان ما سكت عنه اكبر وأخطر مما كشفت عنه في البيان.. والذي لا يبين كل شيء، و اكتفي اليوم بان اقول ما يلي:
هذا المشهد ماخوذ من مسرحية فنطازية ساخرة لم يكتبها كاتب، وقد يكون واقع المسرح المغربي والعربي اليوم هو من كتبها، او هو من أوحى بكتابتها، ولقد نقلتها لكم بامانة، فقط مع اضافة بعض التوابل وبعض المحسنات وبعض الشطحات التي هي من لزوميات الكتابة الساخرة ..
وعن هذا المشهد لن اقول لكم، نفس ما تقوله كثير من الأفلام السينمائية، بانه محض خيال، وبان اية مشابهة مع الواقع والوقائع هي مجرد صدفة، وعليه، فإنني اقول بان ما يحدث اليوم في واقع المسرح العربي هو انجح (مسرحية) وهو اغرب من الخيال، ولهذا فإنني اوصيكم بان تصدقوه رغم غرابته..
المظاهر قبل الخبز احيانا
وحال هذا الجائع العاري، والذي يريد الخاتم، هو نفسه حال المسرح العربي، فهو فقر فكري، وهو فقر علمي وهو فكر جمالي، وهو فقر اخلاقي، وهو فقر في التدبير والتسيير، ولكنه يحرص على ان يظهر مظاهر الغنى والعافية، وذلك من خلال المهرجانات الموسمية الكاذبة، ومن خلال التجريب الكاذب، وبهذا فهو مسرح بلا تخطيط وبلا خطة، وبلا طريق وبلا خارطة طريق، وبدون نماذج رائدة، وبدون قيادة حكيمة، وسلم الأولويات، هو سلم مختل، الهامشي فيه قبل الأساسي، و الشكلاني قبل الجوهري، والعنوان البراني قبل المتن الجواني، هو يدعي التجريب في الفعل المسرحي، ولكنه ينسى او يتناسى ان التجريب العاقل مخاطرة عقلية، وان التجريب الاحمق مقارنة انتحارية، وان الأصل في هذه المخاطرة ـ المقامرة هو انها رهان، يمكن ان تربح فيه كل شيء او ان تخسر كل شيء
ولعل هذا هو ما يمكن أن يجعلنا نتساءل :
هذا المسرحي العربي اليوم، هل يعرف ماذا يريد؟ وهل يدرك موقعه الحقيقي في خرائط المسرح العالمية؟
وقبل هذا، او بعد كا هذا، فهل يكون اغلب هذا الذي يقدم في المهرجانات المسرحية هو مسرح حقيقي؟
ووجود (مسرحيات) سرية في مهرجانات مسرحية مغلقة وبحضور
الأهل والأصدقاء والهتافين والتابعبن وتابعي التابعين هل هي مسرحيات حقيقية؟
وهذه المسرحيات المهرجانية لماذا تنتهي في لحظتها المهرجانية، ولماذا لا يكون لها اشعاع على المستوى العالم؟
ولماذا نسمع عنها ولا نراها؟ وهل هي مسرحيات سرية؟
وهذا المسرح، على ماذا يراهن تحديدا؟
هل على اللحظة المسرحية العابرة ام إنه يراهن على التاريخ بكل امتداداته؟
وهل يراهن على الحق وعلى الحقيقة أم إنه لا يراهن إلا على الأوهام وعلى احلام اليقظة؟
هو مسرح تقام له مهرجانات لا تضيف إليه ابو قيمة مضافة، وهو في هذا المسرح يقتبس مرة و يختلس في اغلب المرات، ويأتي ببعض النصوص المسرحية من هنا، ويأتي ببعضها الآخر الآخر من هناك، وصر على ان يقول دائما ( كل هذا من عندنا)
وهو يعيد اليوم نفس ما فعله ونفس ما قدمه ونفس ما كتبه بالأمس، من غير ان يتساءل ان كان مسرحه يمشي، ولا في اي اتجاه يمشي، هل في الاتجاه الصحيح أم في الاتجاه الخطا او الممنوع؟
وهل يمكن ان نراكم التجارب المسرحية، بشكل ميكانيكي، من غير ان يفضي هذا التراكم الكمي الى مسرح جديد ومجدد ومتجدد
وهذه العناوين الغريبة والعجيبة في الندوات المسرحية من انزلها؟هل المسرحي الفنان أم هو الإداري المسؤول، والذي لا يهمه سوى أن يبرر الميزانية المرصودة للتظاهرة؟
في الندوات والملتقيات و المهرجانات تحضر المسائل الثانوية قبل المسائل الأساسية، و تحضر الأسئلة الهامشية قبل الأسئلة المركزية، وتحضر المطالب الحمقاء و السوريالية بدل المطالب المعقولة، في كلمة واحدة، يحضر ذلك الفقير الجائع العريان الذي طلب الخاتم
إن ابسط كل القواعد واصدقها، تقول ما يلي : إن وجود السؤال الخطا في المسالة الخطا، لا يمكن ان يعطي إجابة فكرية وعلمية سليمة، و الفرضيات القديمة، لا يمكن ان تؤسس مسرحا جديدا و متجددا، وبهذا فقد فقد كان من أوجب الواجبات في هذا المسرح العربي اليوم، هو ان يجدد فرضياته، وان يجدد أسئلته ودمسائله ونحن نعرف، تماما كما يعرف كل العالم، ان الممثل الخطا، في الدور المسرحي الخطا، لا يمكن ان يعطي مسرحية ناجحة
تماما كما نعرف ان وجود الشخص الخطا، في الموقع الخطا، او في المنصب الخطا، او في المسؤولية الخطا، او في الوزارة الخطا، لا يمكن ان يعطي إلا الخطأ المضاعف والمكرر والمركب
ولقد علمنا التاريخ أن العدل اساس الملك، كما علمنا المسرح ان نجاح اية مسرحية تبدا اساسا من درجة التوزيع العادل للأدوار، وان يكون كل ممثل حيث ينبغي ان يكون، فهل لهذه الحقيقة الأولية والبسيطة وجود في خرائط التسيير المسرحي؟
مستقبل المسرح العربي يبدا الآن ـ هنا
ومرة أخرى اقول، إن ما يهمني و يعنيني هو المسرح العالمي و الكوني عموما، ولكن يهمني المسرح المغربي والعربي بشكل خاص، وما يهمني اكثر، في هذا المسرح، اليوم وغدا وفي كل يوم، ليس هو ما كان، ولكن هو ما يمكن ان يكون اليوم، وهو ما ينبغي ان يكون غدا، والذي يمكن ان يكون مسرحا حقيقيا، وان يكون له رسالته، وان يلعب دوره التنويري و التثويري في المجتمع
وفي هذا التاريخ المسرحي يحضر الشغف والحب، ويحضر الصدق والوفاء لروح هذا المسرح، ويحضر السؤال الحقيقي، و تحضر المسألة الحقيقية، ويحضر شرف التاسيس لدى المؤسسين، ويحضر شرف الريادة لدى الرواد، ويحضر شرف الاجتهاد لدى المجتهدين، ولكل المجتهدين الذين سبقونا، والذين عشقوا هذا المسرح عشقا صوفيا، نرفع القبعة، لأنهم اخرجوا هذا المسرح من العدم الى الوجود ومن الغياب إلى الحضور، ومن الفوضى إلى النظام،
ومن الحرفة إلى العلم، ومن الصناعة إلى الفكر وإلى الفن الجميل والنبيل
وهذا التاريخ، المفتوح على الماضي، هو صناعة تمت بجدية و بتضحيات وبمعاناة واكتملت في الماضي، واعطت كل ما لديها، ويمكن ان ندرسها، كما هي، علميا وفكريا وجماليا، ولكنه ابدا، لا يمكن ان نغير فيها شيئا، لماذا؟ لأنها التاريخ التي اوجدته شروطه الخاصة، والذي ساقته سياقاته الذاتية والموضوعية، والتي لم يعد لها اليوم وجود
ومن الممكن ان نعيد قراءة تاريخ المسرح العربي، ولكنه لا يمكن ان نعيد كتابته، وفي هذا اليوم الجديد، من هذا التاريخ الجديد، يكون من واجبنا أن نعيد قراءة تاريخ المسرح العربي، وان تكون قراءتنا قراءة علمية، بغير ان تسقط الكائن على الذي كان، ومن غير ان نحاكم الماضي بشريعة الحاضر، ولهذا، فإن ما يهمنا اليوم اكثر هو تاريخ المسرح العربي الذي كان، ولكنه التاريخ الممكن الوجود، والذي ينبغي ان نؤسسه، وان نركبه انطلاقا من اسىئلة الحاضر ومن اولويات الحاضر ومن علوم الحاضر ومن تقنيات الحاضر، والمهم هو ان نضيف فصلا جديدا في تاريخ هذا المسرح
نحن اليوم في حاجة لأن نواصل فعل التاسيس المسرحي الحقيقي، وان نواصل فعل البحث والاجتهاد، وان لا نخون الرواد الذين وضعوا حجر الأساس لهذا المسرح، وذلك في ظروف صعبة
كما نحن في حاجة إلى كتابة جديدة، يحضر فيها الإحساس الإنساني الجميل، ويحضر فيها الخيال، ويحضر فيها عقل العالم وقلب الشاعر، عند ذلك الوقت يمكن ان يصبح التاريخ الجديد المسرح الجديد ممتلئا حياة وحيوية، ويصبح قريبا من عين ومن قلب ومن كا جوارح المتلقي العربي
هذه الصرخة .. هل يمكن ان تجد اليوم من ينصت إليها؟










