في عالم المسرح، ليست كل العروض متساوية. أحيانًا أدخل القاعة وأخرج وأنا مشحون بالدهشة والدهشة من نص محكم وأداء حيّ وإخراج متوازن، وأحيانًا أخرى أغادر متسائلًا: هل ما شاهدته فن حقيقي، أم مجرد تمثيل بلا روح؟ النص هو قلب المسرح، يحمل الصراعات والشخصيات والرسائل، وما يبدو للبعض بديهيًا هو في الحقيقة أساس الإبداع كله. إذا كان النص ضعيفًا، يصبح العرض هشًا، وحتى الممثل الموهوب لا يستطيع إنقاذه بلا رؤية واضحة وحوار متقن. الأداء التمثيلي يمنح النص حياة، لكن التمثيل الضعيف يحول الشخصيات إلى أقنعة جامدة والعواطف إلى حركات مصطنعة، والتفاصيل الصغيرة مثل نبرة الصوت، حركة الجسد، أو لحظة صمت هي ما تصنع الفرق بين عرض يترك أثرًا وآخر يمر مرور الكرام. الإخراج يجمع كل العناصر ويعطيها نسقًا وحياة، فإذا كان ضعيفًا يتحول العرض إلى مشهد مبعثر بلا هدف، حتى لو كانت بقية العناصر قوية. اختلاف ردود فعل الجمهور طبيعي، فالبعض يكتفي بالانطباع العام بينما يلاحظ آخرون كل تفصيلة دقيقة تحدد جودة الأداء، وهذا ما يجعل النقد أداة لفهم الفرق بين العمل المبدع والعرض الضعيف، ولتقدير الجهد الحقيقي خلف الخشبة. وحتى العروض التي تبدو فاشلة أو “مهازل” مسرحية تحمل قيمة، فهي تذكّرنا بأن المسرح، كما الحياة، يحتاج إلى صبر على التفاصيل، ووعيًا بالإبداع، ورغبة في الوصول إلى أعلى مستويات الصدق الفني، فالتفاصيل الصغيرة ليست ترفًا، بل روح العمل المسرحي، والملاحظة الدقيقة هي التي تحوّل تجربة عابرة إلى لحظة تبقى في الذاكرة.
لماذا تبدو المسارح فارغة؟
أحياناً أدخل قاعة مسرح فأشعر أن الكراسي الفارغة ليست هي المشكلة، بل شيء أعمق. كأن الخشبة نفسها تسأل: أين ذهب الإنسان؟
لا أعتقد أن الجمهور اختفى. الناس ما زالوا يبحثون عن الفرح، عن التجمع، عن لحظة يعيشونها معاً. نراهم يتهافتون على الحفلات الموسيقية، يصفقون، يغنون، يشاركون. إذن المشكلة ليست في الرغبة في الفن، بل في نوع العلاقة التي نصنعها مع المتلقي.
المسرح ليس منصة لإلقاء نصوص فقط، وليس مساحة لاستعراض تقنيات. المسرح في جوهره لقاء إنساني. حين يضعف هذا اللقاء، تصبح العروض مجرد أداء جيد في فضاء بارد.
أحياناً أشعر أن الخشبة فقدت سؤالها. لم تعد تسأل: ماذا يحدث للإنسان اليوم؟ كيف يعيش؟ ماذا يخفي خلف ضحكته؟ كيف يتآكل داخلياً وهو يبدو طبيعياً في الخارج؟
نحن نعيش زمناً غريباً. كل شيء متوفر، لكن الدفء أقل. التواصل أسرع، لكن الفهم أضعف. الضحك أكثر، لكن الطمأنينة أقل. هنا بالضبط أرى مكان المسرح.
أؤمن بمسرح عبثي اجتماعي، ليس لأنه موضة فنية، بل لأنه الأقرب لواقعنا. عبث يولد من التفاصيل اليومية: من حديث عابر في مقهى، من صمت طويل بين شخصين، من مجاملة تخفي وحدة، من ابتسامة تغطي تعباً عميقاً.
العبث الذي أفهمه ليس غموضاً متعالياً، بل كشفاً هادئاً. ليس صدمة مجانية، بل مرآة. مسرح يجعلنا نضحك، ثم ننتبه فجأة أننا نضحك على أنفسنا.
حين أكتب أو أنتقد، لا أفعل ذلك بحثاً عن الاختلاف، بل بحثاً عن الصدق. إذا لم أشعر أنا، كمحب للمسرح، أن العرض يمسّ شيئاً داخلي، فكيف أطلب من جمهور عادي أن يتأثر؟ المسألة ليست قسوة، بل حرص.
المسرح لا يحتاج إلى صخب أكبر، بل إلى صدق أكبر. لا يحتاج إلى تعقيد، بل إلى إنسان. حين يعود الإنسان إلى مركز الخشبة، سيعود الجمهور تلقائياً.
لأن الناس لا يهربون من المسرح.
الناس يهربون من البرودة.










