المتسلقون في مجال الفن .. حين يتحول الإبداع إلى سلّم ..
في كل زمن فني حقيقي ، يظهر مبدعون يشقّون طريقهم بالموهبة والعرق والصدق .. لكن في الظل ، دائمًا هناك فئة أخرى .. فئة لا ترى الفن رسالة ولا مسؤولية ، بل ترى فيه سلّمًا للصعود السريع .. هؤلاء هم “المتسلقون” في مجال الفن ..
المتسلق لا يبدأ من سؤال : ماذا أقدم ؟
بل يبدأ من سؤال : مع مَن أتصور ؟ ومن يضع اسمي في الضوء ؟
هو لا يبحث عن نص قوي ، بل عن اسم كبير يلتصق به .. لا يطور أدواته ، بل يطور علاقاته .. يعرف جيدًا أين يقف في الصورة، وكيف يتصدر المشهد ولو لم يكن جزءًا أصيلًا منه.
الواسطة بدل الموهبة ..
أخطر ما يفعله المتسلق أنه يزاحم أصحاب الموهبة الحقيقية .. يدخل من أبواب مغلقة على الآخرين ، مستندًا إلى قرابة أو صداقة أو مجاملة .. فتجد ممثلًا لا يعرف الوقوف على خشبة المسرح ، لكنه يتصدر بطولة عمل جامعي لأن قريبًا له في موقع القرار ..
وهنا تتحول العملية الفنية من مساحة تنافس شريف إلى دائرة مغلقة من “أصحاب بعض”
في المسرح تحديدًا – ذلك الفن الذي يقوم على الجماعة – يصبح وجود المتسلق عبئًا على الفريق كله .. فهو لا يتحمل مسؤولية الدور ، ولا يمتلك أدواته ، لكنه يتمسك بالمكان الذي لم يصنعه ..
المتسلق لا يسير وحده .. يصنع حوله دائرة من المصفقين ..
تختفي الموضوعية ، ويعلو صوت التطبيل ..
كل عمل “عظيم”، وكل مشهد “تحفة”، حتى لو كان خاليًا من الروح ..
وهنا تبدأ معايير الجودة في التآكل .. ويصبح النقد عداوة .. والاختلاف خيانة .. والصراحة وقاحة ..
الشللية لا تقتل المواهب فقط ، بل تقتل الذوق العام .. لأنها تقدم للجمهور منتجًا ضعيفًا على أنه قمّة الإبداع ، فتربك معاييره ، وتدفعه إما للقبول بالرديء ، أو للهروب من الفن كله ..
الفن ليس سباق علاقات
الفن الحقيقي لا يقاس بعدد الصور مع المشاهير ، ولا بعدد “المباركات” على مواقع التواصل ..
الفن يقاس بقدرته على البقاء ..
كم عملًا صعد أصحابه سريعًا ثم اختفوا ؟
وكم فنانًا حقيقيًا تأخر ظهوره ، لكنه حين جاء ، بقى ؟
المسؤولية مشتركة
المشكلة لا تقع على المتسلق وحده ، بل على البيئة التي تسمح له بالصعود ..
حين يتنازل صانع القرار عن معايير الاختيار
حين يخاف الموهوب من المطالبة بحقه
حين يتحول النقد إلى مجاملة
مواجهة ظاهرة التسلق تبدأ بإعادة الاعتبار لقيمة الكفاءة
أن يكون السؤال دائمًا : هل يستحق ؟
لا : مَن وراءه ؟
الخلاصة
المتسلق قد ينجح مؤقتًا ، لكنه يظل هشًّا
أما صاحب الموهبة الحقيقية ، فقد يتأخر ، لكنه يثبت
الفن ليس سلّما نصعد عليه
بل نارا نحترق بها لننير الطريق
وكل من لا يتحمل حرارة النار ، سيظل يبحث عن سلّم .










