كلما مررت على [ مبنى محافظة الدقهلية ] بالمنصورة وجدت به إنشاءات وتوضيب وتشطيب وتشطيف وتلميع ، وإعادة تأثيث لمكتب معالي السيد المحافظ ، وشركاه ، وتغيير لواجهته بما يواكب أحدث الموديلات العالمية !!.
وهذا طبعاً يتم من ميزانية الدولة ، بالدين والاقتراض ومَدّ اليد والتسفيخ على خلق الله ، والوقوف على أعتاب صندوق النكد الدولي ، وقبول شروطه الاستعمارية المُجحفة ، ومن ضرائب الغلابة ، ومن عرق الفلاحين الذين يلطمون الخدود ويشقون الجيوب على حالهم اليوم !!.
والحقيقة أنني لا أذكر آخر مرة تم فيها ترميم وبياض [ قصر الاليزيه ] في باريس ، أو [ 10 داوننج ستريت ] في لندن ، أو [ البيت الأبيض ] في واشنطن ، أو حتي [ البيت الأزرق ] في سيول كوريا ، وهي مقرات الحكم في بلاد غنية !!.
اسمعوا ياسادة ،
لن تُبنى أمةٌ بناءً قوياً صحيحاً إلا إذا تحلّى الذين يديرونها بالنزاهة والتقشف وإنكار الذات ، وتخلوا عن الفشخرة والأُبهة والسَفه ، وتغيرت ثقافتهم عن المناصب ، وتيقنوا أنها مسؤولية وكفاح وعبء ثقيل ، وماغير ذلك فهو وهم وعبث ونفخ فى الرماد !! .
فمصر إذن تحتاج إلى رُهبان ونُساك وعُباد وعُشاق وزُهاد !!.
الزعيم الصيني الكبير ( ماوتسى تونج ) كان يجلس إلى مكتب من الصاج ، و( شواين لاى ) رئيس وزرائه كان يذهب إلى عمله راكباً دراجتة ، لكنهما أسسا الصين الحديثة ، ونقلاها من دولة من دول العالم الثالث إلى ثاني أكبر اقتصاد فى العالم !! .
الرئيس الهندى العظيم (عبد الكلام ) ، عالم الفضاء الكبير ، والذى نجح فى إطلاق أول قمر صناعى هندى ( روهينى ) عام 1980م ، فوفر لمواطنيه اتصالات هاتفية زهيدة التكلفة للغاية ، والذى لم ينس أصله أبداً ، فكان يقتطع من زيارته وقتاً يلتقى فيه بصديقه الاسكافى الذى كان يرتق له حذاءه ، حتى بعد أن صار رئيساً للهند عام 2002م وباجماع شعبى شبه أسطورى !!.
والعجيب أن هذا الرجل الذى يشبه آباءه العظام غاندى ونهرو ، عندما دخل إلى قصر ( راشتر باتى باهادان ) المهيب ، لم يتأقلم مع ضخامة وفخامة المكان ، وشعر بغربة كبيرة ، فأمر بإقامة ( كوخ ) له من القشّ فى أحد أركان القصر المعزولة ، أقام فيه خمس سنوات هى مدة رئاسته ، وأدار منه شئون مليار هندى على أحسن مايرام ، فكانت رسالة بليغة أرسلها هذا الزاهد المسلم المتصوف العالم العبقرى إلى كل الدنيا !! .
مصر لن تنهض ولن تقوم الا بأمثال هذا النموذج القدوة ، مصر تحتاج بشدة إلى أمثال ( عبد الكلام ) ، وليس إلى ( بائعى الكلام ) ، وفي كل موقع ، من أعلي الجبل إلى السفح !! .










