يشهد الخليج العربي تحولاً جذرياً في عقيدته الأمنية، منتقلًا من مجرد “مجلس تعاون” يركز على التنسيق إلى “هندسة استباقية” لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي. يركز هذا التحول على بناء شراكات دفاعية متنوعة، وتطوير قدرات أمنية مشتركة لمواجهة التهديدات المباشرة وغير المباشرة، بدلاً من الاعتماد الكلي على حليف واحد
يمرّ النظام العربي اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي هي الأعمق والأكثر جذرية منذ نهاية الحرب الباردة. هذا التحول لا يقتصر على تغير أشكال الصراع الإقليمي ودخول أسلحة وميادين جديدة كالمسيّرات، والفضاء السيبراني، والهجمات الموجّهة، وتهديد خطوط الممرات البحرية، وصعود الفاعلين من غير الدول؛ بل يمتد إلى صميم «العقل المنتج للأمن».
أن الاضطرابات الجيوسياسية دفعت المنطقة إلى الانتقال من فضاء «مصدر للطاقة» إلى فضاء «هندسة الأمن والاقتصاد»، بما يفرض تسريع مشاريع الربط المشترك وتعزيز موقع الخليج كعقدة استقرار في علاقاته مع واشنطن وبكين.
أن الطبيعة الاستراتيجية قد تركز على الوضع الأمني الإقليمي خلال قمة المنامة، ومن أبرزها: الوضع في غزة وعموم الأراضي الفلسطينية والسياسة الإسرائيلية في العمليات العسكرية عبر الحدود في سوريا ولبنان.
فبعد عقود من تمركز هذا العقل في عواصم تاريخية كالقاهرة وبغداد ودمشق، نشهد اليوم انتقاله الكامل إلى مركز جديد: الرياض. هذا الانتقال يحمل في طياته إعادة تعريف شاملة لوظائف الدولة العربية، ومعايير القوة، وحدود الجغرافيا، وترتيب الأولويات. الفرضية المركزية التي يجب أن ننطلق منها لفهم مشهدنا الحالي هي أن الفترة ما بين 2022 و2026 لم تكن مجرد سنوات عابرة، بل مثّلت «لحظة تأسيسية» لنظام عربي جديد. هذا النظام يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسة:
يأتي تعزيز التكامل الخليجي عبر التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي في المرتبة الثالثة، كما تقول الدكتورة لولوة، وذلك من خلال دعم مشاريع الربط الرقمي، وتطوير البنية التحتية الذكية، وتوسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، على حد تعبيرها.
يأتي انتقال مركز القوة العربية إلى السعودية بوصفها أول دولة تجمع بين الثقل السكاني والحضاري للجزيرة العربية، والثقل الاقتصادي والطاقوي العالمي، والردع العسكري المتقدم، والشرعية الرمزية والدينية. ثانيًا، تشكل ما يمكن تسميته بـ«العقد الأمني الخليجي الجديد»، الذي ينقل المنطقة من سياسة «رد الفعل»
والتعامل مع الحدث بعد وقوعه، إلى سياسة «الهندسة الاستباقية» والوقائية، منتقلين من مفهوم الأمن الوطني المنفصل إلى أمن «فوق – وطني» مشترك تحكمه مظلة سيادية تضع قواعد ملزمة للحياد والاشتباك. وثالثًا، إعادة هندسة العلاقة بين المدارين المصري والسعودي.
لطالما أظهرت الأدبيات الأكاديمية الغربية والعربية ضعفًا واضحًا في تحليل الخليج بوصفه مركزًا للنظام العربي. فقد ظلت الدراسات تركّز على الخليج بوصفه مسرحًا للطاقة، أو ممرًا لتنافس القوى الكبرى، أو فضاء تابعًا للمظلة الأمريكية يعتمد على «الاستيراد الأمني».
حتى الأدبيات التي تناولت مراكز القوة (مثل دراسات Ayoob 1995، وHinnebusch 2003) ظلت متمسكة بأن مصر هي مركز القوة العربي.
وحين حاولت بعض الدراسات الحديثة (مثل Ulrichsen 2021، وBlackwill 2023) رصد صعود السعودية والإمارات، حصرت هذا الصعود في الجانب الاقتصادي فقط، متجاهلة التحول الجيو – أمني، ولم تقرأ صعود السعودية بوصفها «قطبًا عربيًّا» يمتلك مشروعًا لهندسة النظام.
وفي سياق أمن الخليج، ظلت أدبيات الردع (مثل دراسات Cordesman و Pollack) تعتمد على النموذج الأمريكي القائل بأن الخليج سيظل يحتاج إلى المظلة الأمريكية، متجاهلة تحول السعودية إلى «منتج للردع» لا مستهلك له، خاصة بعد اتفاق الدفاع المشترك مع باكستان.
أما أدبيات المشرق التي تحدثت عن حدود هشة وهوامش ضعيفة، فقد فشلت في دمج هذه الظواهر في إطار عربي يفسر توسع الصراع وتفتت العراق وصعود الفاعلين غير النظاميين.
هذا النظام يُبنى على حقائق صلبة: القدرة العسكرية والتمويلية السعودية والخليجية باتت تفوق نظيرتها المصرية وتعد مصدرًا للاستقرار، وإدارة الصراعات (في سوريا وغزة والسودان واليمن) انتقلت إلى الرياض، والتحالف الأمريكي انتقل من (مدار النقب) إلى (مدار الرياض).
تاريخيًّا ومنذ الخمسينيات، كانت مصر مركز القوة بلا منازع بفضل كتلتها السكانية، وجيشها الكبير، وثقلها الثقافي وموقعها الجغرافي. لكن هذا النموذج تراجع بنيويًّا عبر مسارات:
عسكريًّا: لم يعد حجم الجيش هو المعيار في عصر المسيّرات والصواريخ الدقيقة والذكاء الاصطناعي، بينما احتفظ الجيش المصري ببنية تقليدية ثقيلة.
اقتصاديًّا: عانت مصر من سقوط العملة، وتضخم خدمة الدين، والاعتماد على الدعم الخليجي، وتضرر قطاعات الصناعة والطاقة والاستثمار.
ففي ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، حرصت الحكومات الخليجية على دعم استقرار الأسواق، مؤكدة أن المخزونات الاستراتيجية للدول الخليجية من السلع الأساسية والمواد الاستهلاكية تتمتع بكفاءة عالية وتنوع كفيل بالاستجابة لكل احتياجات الأسواق المحلية لفترات زمنية طويلة ومطمئنة، ومشددة على أن جميع المواد الغذائية منها وغير الغذائية متوفرة بكميات مهمة وفي مختلف منافذ البيع. كما شكلت معظم البلدان الخليجية خلايا حكومية للضبط والمراقبة والمتابعة الدقيقة والمباشرة لكميات المخزون المتوفرة لدى كافة الموردين وفي مختلف النقاط الرسمية للبيع بالتقسيط والجملة. ولهذا الغرض، سخرت السلطات المختصة أنظمة إلكترونية لمراقبة الأسعار وضمان توفر المواد الأساسية باستمرار، والحيلولة دون حدوث أي نقص محتمل في الأسواق، بما يعزز استقرار الأسعار ويستجيب لاحتياجات المواطنين.
شهدت الهندسة الأمنية في الخليج تحوّلات عميقة منذ 2019، بعد الهجوم على منشآت «أرامكو» الذي كشف محدودية ردّ الفعل الأمريكي، وتزايد الاعتماد الإسرائيلي على الضربات الدقيقة، وصولاً إلى العدوان على قطر. هذا المشهد دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم ممرات الأمن الإقليمي، والتوجّه نحو شراكات جديدة تشمل تركيا والصين وروسيا، بالتوازي مع الإطار الأميركي التقليدي.
والخطوة الجريئة على صعيد الذكاء الاصطناعي تمثلت بتوقيع الولايات المتحدة والسعودية مذكرة تفاهم “تمنح المملكة إمكانية الوصول إلى أنظمة أميركية رائدة عالميًا مع ضمان حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الأجنبية”. وفي إطار هذه المذكرة، وافقت واشنطن على بيع رقائق متقدمة من إنتاج شركة “إنفيديا” NVidia لشركتَي “هيوماين” Humainالسعودية و”جي 42″G42 الإماراتية، حيث سُمح لهما بشراء قرابة 35000 رقاقة بقيمة تُقدَّر بمليار دولار. ويُعدّ هذا القرار تحولًا جوهريًا في الموقف الأميركي؛ إذ كانت واشنطن قد رفضت سابقًا فكرة التصدير المباشر لشركات الذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة في الخليج، خشية وصول التكنولوجيا الأميركية المتقدمة إلى الصين بوساطة هذه الدول.
في مجال الدفاع الاستراتيجي الأميركي – السعودي فقد شكّلت “الضمانات الأمنية” الأميركية للسعودية إحدى أبرز المسائل التي سعت الرياض لتحقيقها من زيارة ابن سلمان لواشنطن – وإن جاءت أقل من معاهدة دفاعية – إذ كانت الرياض تطمح إلى اتفاق دائم يتجاوز فترة حكم ترمب، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الالتزام الجماعي بالدفاع عن أي عضو يتعرض لهجوم. وتعد آخر مرة قدمت فيها واشنطن مثل هذا الالتزام في عام 1969 مع اليابان.
ومع ذلك، فإن ما حصلت عليه الرياض لم يرقَ إلى معاهدة دفاعية ملزمة؛ إذ إن مثل هذا الاتفاق لن يمرّ في مجلس الشيوخ مع التعقيدات السياسية والقانونية. وبدلًا من ذلك، أعلن ترمب تصنيف السعودية “حليفًا رئيسًا من خارج الناتو”؛ وهو وضع يمنح الدول التي تتمتع به امتيازات عسكرية واقتصادية مهمة، تشمل تسهيلات في الحصول على المعدات الدفاعية الأميركية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، فضلًا عن توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية الثنائية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










