ما أكثرَ السراباتِ التي تنسجها الأرواحُ من خيوطِ التمنّي،
فتُلبِسُ العابرينَ أثوابَ الخالدين،
وتُشيّدُ من نظرةٍ عابرةٍ وطناً،
ومن كلمةٍ رقيقةٍ تاريخاً من الألفةِ الموهومة.
نطرقُ أبوابَ القلوبِ ببراءةِ الحالمين،
ونودعُ فيها بعضَ نبضِنا،
ونخطُّ أسماءَنا على صفحاتِ ودِّها،
ظنّاً منّا أنّ الريحَ لن تعبثَ بما كتبتهُ المشاعر.
فنستأنسُ بضياءِ الابتسامات،
ونسكرُ بعطرِ الثناءِ المنثورِ على عتباتِ اللقاء،
ونحسبُ أنّ الأيّامَ قد منحتنا أخيراً
مقاماً دافئاً في أرواحٍ تشبهُنا.
غير أنّ العقلَ، ذلك الحكيمُ المعتزلُ في أقاصي الوعي، كان يقرأُ ما وراءَ السطور، ويرى الشقوقَ الدقيقةَ في جدرانِ الحلم، ويلمحُ ما تخفيه الظلالُ من حقائقَ صامتة.
كان يلوّحُ برايةِ التنبّه، ويبعثُ برسائلِه تباعاً، لكنّ القلبَ إذا استوطنتهُ أمنيةٌ جميلة،
أغلقَ أذنيهِ عن صوتِ النجاة.
فيواصلُ المسيرَ نحوَ السراب،
ويزرعُ في أرضِ الوهمِ حدائقَ انتظار،
ويؤجّلُ مواجهةَ الحقيقةِ
لعلّ الحلمَ يربحُ معركتَه الأخيرة.
ثمّ تدورُ رحى الأيّام، وتتساقطُ الأقنعةُ كما تتساقطُ أوراقُ الخريفِ اليابسة، فتنكشفُ الوجوهُ من وراءِ ستائرِ المجاملة، وتظهرُ المسافاتُ التي أخفاها القربُ المصطنع.
فتدركُ متأخّراً أنّكَ لم تكن سوى غريبِ دار، يُستحسنُ حضورهُ ما دام يحملُ نفعاً،
ويُحتفى بصوتهِ ما دام يردّدُ ما يرغبون في سماعه، ويُقرَّبُ ما دامت مصالحُهم تقتاتُ من عطائه.
فإذا فرغتْ حاجاتُهم، انفضّوا من حولهِ كما ينفضُّ الضبابُ عن قممِ الجبال، دون أسفٍ يليقُ بالصحبة، ودون وفاءٍ يوازي ما أُهديَ لهم من صدق.
عندها تعلمُ أنّ بعضَ القلوبِ ليست منازلَ للسكن،
بل محطّاتٌ عابرةٌ على طريقِ العمر،
وأنّ الحكمةَ ليست في منعِ العطاء،
بل في ألّا تجعلَ روحكَ رهينةً لمن لا يحسنُ حفظها. فأحسنْ ما استطعتَ،
وازرعْ الجميلَ حيثُ حللتَ،
لكن لا تُعلِّقْ مصيرَ قلبكَ بأكتافِ العابرين.
واجعلْ كرامتَكَ آخرَ القلاعِ التي لا تُفتح، وأقدسَ الأماناتِ التي لا تُفرِّطُ فيها،
فما أشدَّ فقرَ المرءِ حين يخسرُ نفسَهُ في سبيلِ من لا يراه، وما أعظمَ غناهُ حين يبقى وفيّاً لقيمتِه،
وإن ظلَّ بين الجموعِ… غريبَ الدّار.
الجزائر










