الاخبارية وكالات
في اكتشاف أثري لافت يفتح الباب أمام تساؤلات تاريخية معقدة، أعلن فريق من علماء الآثار عن العثور على نفق ضيق وغامض تحت الأرض داخل موقع دفن يعود إلى عصور ما قبل التاريخ في ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية، في مشهد يعكس تداخلاً زمنياً فريداً لاستخدام الموقع عبر آلاف السنين.
وجاء هذا الاكتشاف خلال أعمال تنقيب استباقية نُفذت بالقرب من بلدة راينستيدت في منطقة هارتس، وذلك قبيل تنفيذ مشروع لإنشاء توربينات رياح على تلة دورنبرغ. وفي البداية، بدا الموقع وكأنه حفرة عادية، إلا أن الفحص الدقيق كشف عن بنية أثرية معقدة تحمل دلالات تاريخية متعددة.
تاريخ متداخل واستخدامات متعددة
الموقع لم يكن مجهولاً بالكامل، إذ سبق توثيقه كمكان للدفن يعود إلى أواخر العصر الحجري الحديث، حيث عُثر على قبور بوضعية القرفصاء، إضافة إلى مؤشرات على وجود تل دفن من العصر البرونزي. هذا التراكم الزمني يشير إلى أن الموقع احتفظ بأهميته عبر العصور، ربما لأسباب رمزية أو طقسية لم تُفهم بعد بشكل كامل.
وفي قلب الموقع، اكتشف الباحثون خندقاً كبيراً يرتبط بثقافة تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، ما يمثل أقدم نشاط بشري موثق في المنطقة، ويؤكد أن المكان كان محوراً للتفاعل البشري لفترات طويلة.
تحول مفاجئ: من قبر إلى نفق
في المرحلة الأولى، اعتقد العلماء أن البنية المكتشفة تمثل قبراً بسبب شكلها البيضاوي وغطائها الحجري الثقيل. غير أن التحليل الميداني والتربة المحيطة كشفا عن امتداد داخلي مائل، ما نفى هذا الاحتمال.
وأظهرت الدراسات أن البنية عبارة عن نفق من نوع “إردشتال”، وهو ممر ضيق من صنع الإنسان، يتميز بأبعاده الصغيرة ومساره المنحني، ويحتوي على عناصر معمارية دقيقة مثل درجات محفورة وتجويفات جدارية وسقف مدبب.
كما عُثر داخل النفق على شظايا فخارية تعود إلى أواخر العصور الوسطى، ما يشير إلى أن استخدامه لم يكن مرتبطاً فقط بعصور ما قبل التاريخ، بل امتد إلى فترات لاحقة.
أدلة على إغلاق متعمد وغموض مستمر
زاد الغموض مع اكتشاف مجموعة من اللقى داخل النفق، من بينها حدوة حصان حديدية، وهيكل عظمي لثعلب، وعظام حيوانات صغيرة، بالإضافة إلى آثار فحم تشير إلى إشعال نار لفترة قصيرة.
الأكثر إثارة هو وجود أحجار كبيرة مصفوفة بعناية عند مدخل النفق، ما يرجّح أنه أُغلق عمداً في مرحلة ما، ربما لأسباب أمنية أو طقسية.
تفسيرات أولية وتساؤلات مفتوحة
يرجّح الباحثون أن النفق استُخدم كمخبأ أو ملجأ مؤقت خلال العصور الوسطى، خاصة أن مواقع الدفن القديمة كانت تُنظر إليها آنذاك باعتبارها أماكن مهيبة أو “محظورة”، ما يجعلها ملاذاً مثالياً للاختباء بعيداً عن الأنظار.
ورغم هذه الفرضيات، لا تزال وظيفة النفق الحقيقية غير محسومة، في انتظار مزيد من التحليلات التي قد تكشف عن أسرار جديدة حول طبيعة استخدامه، وعلاقة المجتمعات اللاحقة بالمواقع الأثرية القديمة.
خاتمة
هذا الاكتشاف لا يضيف مجرد موقع أثري جديد إلى سجل التاريخ، بل يسلط الضوء على كيفية إعادة توظيف الأماكن عبر العصور، ويؤكد أن الأرض لا تزال تخفي بين طبقاتها قصصاً لم تُروَ بعد.










