يعتبر الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري أحد كبار علماء الفقه والتصوف في القرنين السابع والثامن الهجري. ولد بمدينة الإسكندرية حوالي عام 658 ه في زمن حكم المماليك البحرية، وعاصر عددًا من سلاطينهم وأبرزهم الظاهر بيبرس. شهدت هذه الفترة مقاومة المماليك للحملات الصليبية والغزو المغولي، وإحيائهم للخلافة العباسية في مصر.
نشأ الشيخ في أسرة علمية، وتعلم مبكرا الفقه والعلوم الشرعية. وبدأ حياته فقيها على المذهب المالكي، فتتلمذ على يد كبار علماء عصره. وكانت نقطة التحول في حياته، لقائه مع الشيخ أبو العباس المرسى الذي قدُم من الأندلس وأقام بالإسكندرية (له مسجد شهير يطلق عليه المصريون المرسى أبو العباس). ففي هذا اللقاء، تأثر الشاب ابن عطاء بأفكار الشيخ الأندلسي التي تعلمها من أستاذه الشيخ أبو الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية، فلازم الشاب شيخه 12 عاما، وتحول اتجاهه للتصوف السني المرتبط بالشريعة، ولكن ذلك لم يمنعه في استمرار الاستزادة من علوم الشريعة والفقه.
انتقل ابن عطاء إلى القاهرة وعمل بالتدريس بالأزهر، كما اشتغل بالوعظ والإرشاد والتأليف، ودرّس أيضا بالمدرسة المنصورية التي أنشأها السُلطان المنصور قلاوون الألفي، والتي درّست الفقه على المذاهب الأربعة، والحديث والتفسير والطب. توفي ابن عطاء الله عام 709 ه، ودفن بالقاهرة، ثم بُني حول قبره مسجدًا تم تجديده وتوسعته عام 1973.
قضى ابن عطاء جل حياته في البحث والتأليف، ووصفه العالم المصري الموسوعي جلال الدين السيوطي بأنه ” كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير ونحو وأصول وفقه على مذهب مالك”، وقال عنه العالم القاهري محمد عبد الرؤوف المناوي ” له اليد الطولى في العلوم الظاهرة والمعارف الباطنة، إمام في التفسير والحديث والأصول، متبحر في الفقه له وعظ عذب في القلوب ويحلو في النفوس”، وذكر العالم الدمشقي شمس الدين الذهبي أنه “كان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروح النفوس”.
لم ينفصل ابن عطاء عن الأحوال العامة في مصر، فقد كان العلماء هم حلقة الوصل بين عامة الشعب من المصريين والأمراء والسلاطين من المماليك، فكان لا يخشى سلطة الحكام ورأى أن عليه واجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وأن من واجبه أيضا “خدمة الفقراء والشفقة والرحمة لجميع عباد الله”. ورُوي أنه التقى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين الذي تولى حكم مصر لمدة عامين (696-698 ه)، وقدم له النصيحة بشأن معاملة الناس.
تنبع أهمية ابن عطاء من أنه جمع بين الفقه المالكي والتصوف السني. فإذا كان ذا النون المصري -الذي سبق أن تناولته في مقال سابق-وضع اللبنات الأولى للفكر الصوفي والمعرفة بالله وعاش حياة الزهاد في القرن الثالث الهجري، فإن ابن عطاء صاغ قواعده وربطه بالفقه، وكان له دورًا كبيرًا في نشر منهج التصوف المعتدل القائم على الشريعة. وأكد على أن الطريق إلى الله لا يكون بالتصوف المجرد فقط، وإنما بربطه بقواعد الشريعة والفقه، ومثل بذلك اتجاها يربط بين العلم الشرعي والسلوك الروحي.
في هذا السياق، ساهم ابن عطاء في وضع القواعد المنظمة للتصوف السني بطريقة علمية واضحة، مما جعلها أكثر قبولا من جانب العلماء والفقهاء، مؤكدا أن جوهر التصوف الصحيح هو تزكية النفس وتهذيب الأخلاق.
كتب ابن عطاء في “مقاصد العقائد والشرائع”، شأنه في ذلك شأن كبار الأئمة والعلماء. وعلى سبيل المثال، رأى أن المؤمن في حاجة لفهم الله في عطائه ومنعه، لأن الأمور قد لا تكون كما تبدو في الظاهر، فكتب أن الله عز وجل” ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك. إن فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء. إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه”.
يدل على ذلك، ما ورد في سورة الفجر من أن اتساع الرزق بالعطاء ليس بالضرورة إكرام من الله له، أو ضيق الرزق ليس بالضرورة إهانة أو عقابا. وهكذا، يؤكد ابن عطاء أنه إذا ابتلى الله الإنسان وحرمه من مال أو صحة أو أهل، وفتح له بابا للفهم والتفكر والعبرة والقرب إلى الله، فإن ما حدث لا يكون منعا وإنما عطاء. وهكذا بالفهم يصبح المنع عين العطاء.
ترك ابن عطاء تراثا ثريا أثر على الأجيال التالية. من أشهر أعماله “الحكم العطائية”، والذي يشمل مجموعة من الحكم الروحية القصيرة التي تؤكد معاني التوكل علي الله، والإخلاص والعلاقة بين العمل والنية. ومنها كتاب “المناجاة العطائية” وهي مجموعة أدعية إلى الله، وكتاب “لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسى وشيخه الشاذلي أبي الحسن”، وكتاب “تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس” ويشمل مجموعة مواعظ تدعو إلى التأدب بآداب الشريعة والالتزام بتعاليمها، وكتاب “مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح” الذي كرسه لمعرفة آداب ذكر الله فشرح فوائده وفضائله وأوقاته، وشمل أيضا فصولا تناولت موضوعات لغوية وفلسفية وأصولية تتعلق بمفهوم التوحيد بشكل عميق، اعتمد فيه على الجمع بين العقل والنص.
كان ابن عطاء أحد أبرز علماء الطريقة الشاذلية، وساهم في تطويرها من مجرد “طريق روحي” إلى مدرسة فكرية لها قواعدها ومنهجها. وانتشرت أفكاره خارج مصر، وامتدت إلى الشام وإسطنبول، وشمال أفريقيا والمغرب.
قدم ابن عطاء دروسا روحية عميقة، واهتم بالتربية وتهذيب النفس وتزكيتها، فأثر في التربية الروحية للمسلمين لقرون عديدة. وما زال كتابه “الحكم العطائية” يُدّرس في الجامعات والمعاهد الدينية، وما زال طلاب العلم يبحثون في فكره ويكتبون رسائل الماجستير والدكتوراه عنه. وتستمر حِكمه حاضرة في الخطاب الدعوي المعاصر، لجمعها بين البساطة والعمق، ومخاطبتها للمشاكل التي يواجهها الإنسان.
وكل عيد فطر ونحن جميعا بخير.










