عندما يقترب العمر من محطته الأخيرة، لا يعود الكلام فائضًا عن الحاجة، بل يصير مختصرًا، نقيًّا، كقطرة ماء يدرك صاحبها أنها الأخيرة في كفّه.
في تلك اللحظة، لا تكون الوصايا عن المال أو الجاه، ولا عمّا خلّفته الدنيا من تعب، بل عمّا لا يُرى: عن الخفّة، وعن ألّا تُثقِل روحك بحِملٍ لم تُخلَق له.
يا بني،
لا تركن إلى الدنيا وإن مدت لك يدها مزينةً بالزيف. لا يغرّك بريقها؛ فكل ما يلمع فيها مستعار، وكل ما يبدو ثابتًا آيلٌ إلى الزوال. كن صادقًا مع نفسك، فالحقيقة وحدها لا تخون، وما عداها مؤجل السقوط.
إن مررتَ على اسمي يومًا، فلا تتوقف طويلًا.
لا تُقِم لي عزاءً، ولا تُكثر من البكاء.
اجمع ما كتبتُه، وانشره، ودع أثر الكلمة يمشي بدلًا عني.
وإن أردتَ أن تسمعني في قبري، فادعُ لي بالرحمة،
وافتح المصحف بهدوء، واقرأ سورة يس،
ثم دع للروح أن تعرف طريقها دون ضجيج.
يا بني،
لا تلهث خلف المال؛ فالساعي وراءه يظل لاهثًا وإن بلغ.
ابحث عن العلم؛ اقرأ، واكتب، وتعلّم،
واطلب الحكمة؛ فهي ليست ترفًا، بل ميزان يضبط الروح والعقل.
بالعلم يصل الإنسان إلى ما يريد،
ومن دونه قد يصل، لكنه لا يعرف لماذا وصل.
تذكّر الأمكنة التي مشيتَ فيها:
من جبال الألب إلى سهول ووديان أوروبا،
وقل لأولادك يومًا:
كان أبي هناك،
يمشي بلا يقين كامل،
لكن بعين مفتوحة،
يعرف أن العالم أوسع من الخوف،
وأصدق من الشعارات،
وأن التجربة معلم لا يكتب شهادته إلا في القلب.
علِّم أبناءك القرآن،
واغرس فيهم حبّ العلم،
ليكونوا نفعًا للبشرية لا عبئًا عليها.
فالأمم لا تُقاس بما تملك،
بل بعمق ما تعرف،
وبقدر ما تمنح العالم معنى.
وإن وصلتَ إلى منصب، فتذكّر:
تواضع، ولا تتعجرف؛
فالنعمة لا تدوم لمن يظنها خالدة،
والسلطة إن لم تُهذَّب بالأخلاق تحوّلت من خدمة إلى لعنة.
لا تحملني فوق كتفيك يا بني،
احمل نفسك.
عِش كما لو أن الغياب درس، لا جرح.
وإن اشتد عليك الليل، فتذكّر:
كل فجرٍ قد يتأخر،
لكنه لا يخون.
اقتربت الرحلة من نهايتها، نعم،
لكن الروح لا تنتهي،
إنها تعود أخفّ،
كما تعود الطيور بعد سفر طويل،
إلى حيث بدأت.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية










