أسبانيا وفرنسا رفضتا مرور الطائرات العسكرية الأميركية في مجالهما الجوي، وبريطانيا وإيطاليا منعا استخدام قواعدهما في ضرب إيران.. أوروبا وازنت بين مصالحها الاقتصادية -خاصة أمن الطاقة- ودعمها للحليف الأمريكي، لكن ترامب وبخهم «تعلموا الدفاع عن أنفسكم، فلن نساعدكم كما لم تساعدونا، فتح مضيق هرمز ليس مسئولية واشنطن، بل تقع على عاتق الدول التي تعتمد عليه، فتحلوا بالشجاعة وافتحوا المضيق».. عبارة عكست حنق حليف مأزوم.
ماكرون اعتبر فكرة فتح هرمز بالقوة العسكرية «غير واقعية»، وشدد على أن المسار الدبلوماسي والتشاور مع إيران هو الحل.. و«ستارمر» أجري مشاورات مع قادة قطاعات النقل البحري والتمويل والتأمين والطاقة، وكلف وزيرة خارجيته بمحادثات عسكرية ودبلوماسية مع 35 دولة لبحث التدابير الدبلوماسية والسياسية الممكنة لاستعادة حرية الملاحة في المضيق، واستئناف تدفق الامدادات دون الانزلاق للحرب.. بريطانيا وفرنسا يدركان أن الترتيبات الأمنية بالخليج ستتغير كلية عقب انتهاء الحرب، لذلك تقدم بريطانيا نفسها باعتبارها الحليف التاريخي المضمون، وتؤكد فرنسا بحشودها أنها جديرة بحصة من هذه الترتيبات.
الرسائل البريطانية حملتها مسيرات «إيفر4» لاكتشاف الألغام البحرية بعمق 100 متر، برفقة حاملة المسيرات المضادة للألغام «HMS Sterling Castle»، وكاسحات ألغام مسيّرة «هارير»، إضافة لغواصة نووية «HMS Anson» وسفينة دعم وازالة ألغام RFA Lyme Bay وفرقاطات ومدمرات «Tybe45»، معظم هذه القوات وصلت بحر العرب أو ترسو بمواني دبي.. أما الرسائل الفرنسية فقد تضمنت 52 سفينة في خليج هرمز، و8 سفن في البحر الأحمر، بخلاف توجه حاملة الطائرات «شارل ديجول» للخليج، تأمينا لحركة السفن الفرنسية، وحماية للكابلات البحرية.
والحقيقة أن بريطانيا وفرنسا تشاركان في تأمين الملاحة عبر بحر العرب والخليج ومضيق هرمز، بعمليات مراقبة وحماية مركز قيادتها الإمارات، أهمها «المهمة الأوروبية للمراقبة البحرية EMASOH»، وبعثة «أسبيدس ASPIDES»، اللتان تستهدفان ضمان تدفق الطاقة، والتصدي للمخاطر الأمنية.. بيانات تتبع السفن أكدت أن سفينة الحاويات (CMA CGM) التابعة لمجموعة الشحن الفرنسية عبرت مضيق هرمز بالفعل، مما يعني عدم اعتبار فرنسا دولة معادية لإيران.
***
وفي الوقت الذي تسعي فيه الدول الأوروبية لتأمين مصالحها، تشتعل التنافسات الإقليمية بين مشروعين:
الأول «تركي/سوري»:
يتضمن مد البنية التحتية للنفط والغاز والسكك الحديدية والاتصالات من الخليج والجزيرة العربية شمالا باتجاه الأردن ومنه لأوروبا عبر سوريا وتركيا، في إحياء لمشروع الأنبوب الخليجي الذي أشعل الحرب السورية عام 2011، تركيا اتفقت مع العراق وقطر والإمارات على نموذج تمويل المشروع وتوسيعه، والشرع وصف موقع سوريا الاستراتيجي بالملاذ الآمن لسلاسل الإمداد.
الثاني «أمريكي/إSرAئيLي»:
يتضمن مدّ البنية التحتية من «ينبع» شمالا نحو إيلات ومنها عبر قطاع غزة لموانئ الكيان في طريقها لأوروبا، وتشييد طريق بري من الخليج للبحر المتوسط عبر دولة الكيان، مزودا ببنية تحتية لنقل الغاز المسال والهيدروجين وكابلات الألياف الضوئية، إSرAئيL تستهدف من المشروع توثيق روابط المصالح بينها وبين الخليج، وترسيخ النظام الإقليمي الجديد، الذي ستتأكد حتميته حال إغلاق مضيق باب المندب.
وللأسف فإن المشروعين موجهان ضد مصر وقناة السويس وخط سوميد؛ ويقدمان بدائل للوضع القائم، حيث يضخ خط «بقيق/ينبع» النفط في ناقلات تتجه لأوروبا عبر قناة السويس، أو تفرغه في «سوميد» من العين السخنة على خليج السويس حتى سيدي كرير على البحر المتوسط.. هذا التوجه المعادي يفرض الحذر من سعي أصحاب المشاريع لاستئناف الحرب، واستفزاز الحوثيين لإغلاق باب المندب تمريرا لمشاريعهم، مما يفرض تقديم تسهيلات تقضي على البعد التنافسي للمشاريع البديلة.
***
اجتماع وزراء خارجية مصر، السعودية، تركيا، وباكستان في إسلام آباد 29/30 مارس، استهدف خفض التصعيد، وتسوية النزاع عبر الحوار، واحتواء مخاطر توسع الصراع، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وهي مهمة بالغة الصعوبة لأن أحد طرفي الصراع تحول من السعي لتحقيق نصر ساحق، الى التدمير الشرس لقدرة الخصم على الاستمرار في الحياة، لكن التكتل الرباعي أصبح يشكل محورا جديدا للقوى يتمتع بثقل اقتصادي وعسكري وبشري وجيوسياسي، يؤهله لدور محوري في توازنات القوى بالإقليم.
باكستان -منفردة- شاركت حليفها الصيني في مبادرة أخرى «وقف الحرب، المفاوضات، احترام سيادة الدول، حماية المدنيين والبنية التحتية، حرية الملاحة بالمضيق»، المبادرة التزمت بالحياد، خلافا لما يفرضه التحالف مع السعودية من استنكار للهجمات الإيرانية، وفات باكستان أن الحرب تعرضها لأزمة طاقة وتوترات حدودية وتمرد أقليات «بلوشستان» وتدفق نازحين، بما يمس أمنها الداخلي، لذلك انسحبت من المبادرة، وعادت للتحرك مع مصر وتركيا ما حقق هدنة الأسبوعين.
***
الولايات المتحدة عجزت عن حماية الخليج، وقواعدها كانت مبررا لاستهدافه، ما كان كفيلا باللجوء للأنظمة الدفاعية الروسية والصينية، لكن واشنطن نظمت جولة «زيلينسكى» واتفاقاته الدفاعية، مستهدفة الزج بالخليج ضمن المعسكر المعادي لموسكو، رغم ان ترامب نفسه يسعى لاستقطاب روسيا بعيدا عن الصين.
روسيا تعرضت للتطويق؛ أسقطوا نظام الأسد، قلصوا نفوذ الحليف الإيراني في سوريا ولبنان والعراق، وحاولوا تدمير مقومات قوتها واعادتها للعصور الوسطى، حلم القاعدة البحرية الروسية بالسودان بددته تحفظات القاهرة والرياض، موسكو قدرت أن دعم مصر إبان حرب إيران وأزمة المضيق، يفتح أبوابا جديدة للتعاون، مما يفسر عرضها تقديم الغاز والحبوب بأسعار تفضيلية للاستهلاك المحلي وإعادة التصدير، وضخ مزيدا من الاستثمارات بمحور القناة، وتوفير فائض كهرباء للتصدير بسرعة تنفيذ مفاعلات الضبعة.
العرض الروسي تزامن مع اتفاق ضمان أميركي «2 مليار دولار» لتمويل صادرات الغاز المسال لمصر «2026/2027»، تأكيدا لانفتاح القاهرة على كافة القوى الدولية بما لا يمس ثوابت سياساتها الخارجية.










