سألوا أحدهم: هل تختار أن تكون معافى في جسدك ومعتلًا في عقلك؟
فأجاب دون تردد: بل أختار عقلًا سليمًا، ولو حملته أضعف الأجساد.
هذه الإجابة، على بساطتها، تحمل معيارًا حاسمًا لفهم العالم… ليس على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى الدول. فالدولة، كالجسد، قد تمتلك القوة، السلاح، الاقتصاد، والنفوذ… لكنها إن افتقدت إلى عقل راشد يدير هذه القوة، تحوّلت من عنصر استقرار إلى مصدر قلق عالمي.
المشكلة لا تبدأ حين تضعف الدول، بل حين تقوى في غير موضع الحكمة. حين يمتلك “الجسد” كل أدوات الهيمنة، بينما “العقل” الذي يقوده مضطرب، انفعالي، أو أسير حسابات ضيقة، يصبح الخطر مضاعفًا. لأن القوة هنا لا تُستخدم لضبط التوازن، بل لفرضه قسرًا، أو لاختبار حدود الآخرين، أو حتى لتصفية حسابات داخلية على حساب النظام الدولي بأكمله.
دولة في العالم تمتلك كل مقومات “الجسد المعافى”: جيش هو الأقوى، اقتصاد هو الأكبر، وتأثير يمتد إلى كل زاوية على الخريطة. لكن طريقة إدارتها للقوة تكشف خللًا في “العقل السياسي” الذي يفترض أن يضبطها.
الخطاب المتشنج، القرارات المتقلبة، التهديدات التي تُطلق ثم تُراجع، والتعامل مع القضايا الدولية بمنطق رد الفعل لا الفعل المدروس… كل ذلك يعكس غياب الاتزان، لا ضعف الإمكانات. بل إن الخطر الحقيقي يكمن هنا تحديدًا: أن تكون القوة عظيمة، لكن من يديرها لا يتصرف بعقلٍ يوازيها.
الدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تملك، بل بكيف تستخدم ما تملك. والتاريخ مليء بقوى امتلكت كل شيء، لكنها انهارت لأنها لم تمتلك “العقل” الذي يحسن إدارة كل هذا ” الشيء”.
حين يصبح القرار الدولي رهين المزاج، وحين تتحول السياسة إلى ساحة استعراض، يفقد العالم إحدى أهم ركائزه: القدرة على التنبؤ. ومع غياب هذه القدرة، يصبح كل شيء قابلًا للاشتعال… ليس لأن الأطراف تريد الحرب، بل لأن من يقود المشهد لا يحسن قراءة عواقب أفعاله.
لم يكن السؤال ابداً عن قوة الدول، بل عن سلامة عقول من يقودونها، فالعالم قد يحتمل دولة ضعيفة… لكنه لا يحتمل دولة قوية يقودها عقل مختل.










