في الحديقة، حيث تراقص الشمس ظل شجرة التفاح، كنت أجلس على المقعد الذي كان ملكاً لك. كنت دائماً تسألينني إن كنت قد أكلت، وكأن كل سؤال منك كان ينحت في الروح تمثالاً من الطمأنينة. لكن حين رحلتِ، صار حضنك غياباً مقدساً. في كل مساء، كنت أعود إلى النافذة، أراقب السماء وكأنها تحمل وعداً بعيداً بأن الألم سيتحول إلى فهم. بعد تخرجي، كان والدي يعدني بمشروع العائلة. لقد كان المشروع أشبه بحلم متعالي، كأنه جسر بيني وبين أفق كان ينتظرني. لكن حين خسرناه، بعد أن دفعنا فيه آلاف الدولارات، كان كالزيت الذي ينزلق من أصابع القدر. كنت أجلس في صمت عند النافذة، وأشعر أن العالم فقد بوصلة، أنني أصبحت فتاة تعيسة. لكن بعد رحيل أمي، اكتشفت أن تلك التعاسة كانت مجرد انعكاس. لم تكن في المشروع، بل كانت في فقدك أنتِ، يا أمي. في هذه الرحلة، كما لو أن الزمن كتب لي سيناريو خاصاً به، عدت إلى تلك اللحظات، لكن هذه المرة حملت معي مرونة جديدة. كأخصائية في علم النفس، وجدت في دراسة منشورة على PubMed بعنوان “نموذج ارتباط الحزن المعقد” لكاثرين شير وزملائها، تفسيراً عميقاً: إن الحزن المعقد هو استجابة طبيعية بعد الفقد. حين نفقد شخصاً عزيزاً، قد نرتبط به ارتباطاً شديداً، ويصبح الانسحاب من اللمسة آلية لحماية النفس. هذا ليس ضعفاً، بل هو دفاع طبيعي. مثلما حدث معي، بعد وداعي لأمي، وجدت أن هذا الانسحاب كان مجرد انعكاس. لكنه بالتقبل والإيمان، أصبح فرصة لإعادة تشكيل العلاقة. مثلما تعلمت من هيلين كيلر، التي كانت تسقط في الصمت، لكنها وجدت في يد معلمتها نافذة للعالم، أنا أيضاً وجدت في مرونتي نافذتي. الآن، وأنا أساعد عملائي الذين فقدوا أحباءهم، أراهم يعبرون نفس الطريق. أقول لهم: تعالوا، كما تعلمت، نحن لا نرفض اللمسة، بل نعيد تشكيلها. نحن لا ننسى الخسارة، بل نفهمها، ونصنع من فهمنا جسوراً نحو شفاء أعمق، كأن كل حضن جديد هو قصيدة أكتبها في سر الزمان.
المفكر والباحث النفسي والكاتبة الإبداعية










