مقترح مصري للقمة القادمة لإنشاء نظام دوائي بديل يعتمد على التكامل الإقليمي وكسر هيمنة الشركات متعددة الجنسيات
في أبريل 2026، اجتمع وزراء الصحة لدول البريكس في نيودلهي تحت شعار بناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة لم تكن مجرد كلمات في بروتوكول رسمي بل كانت اعترافاً صريحاً من دول تمثل أكثر من أربعين بالمئة من سكان العالم بأن النظام الصحي العالمي الحالي الذي تديره شركات الأدوية العملاقة في الشمال لم يعد صالحاً للاستخدام لم يعد مقبولاً أن تظل تسعون بالمئة من المواد الخام الدوائية تنتج في ثلاث دول فقط وأن تتحكم خمس شركات في أسعار الأدوية المنقذة للحياة وأن تظل أفريقيا وآسيا تنتظران الفائض من لقاحات أوروبا
في هذا الاجتماع التاريخي، الذي حضره ممثلون عن البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا والإمارات وإندونيسيا، تم تحديد تسعة مجالات ذات أولوية للتعاون الصحي تشمل شبكة أبحاث السل، والتعاون بين الهيئات التنظيمية للأدوية، ونظام الإنذار المبكر المتكامل للأمراض المعدية، والهندسة الصحية الرقمية، وتعزيز أنماط الحياة الصحية، والصحة النفسية، والطب التقليدي والتكميلي والدمجي، ومكافحة الأمراض المرتبطة بالمحددات الاجتماعية للصحة، وشبكة المعاهد الوطنية للصحة العامة .
هذه القائمة لم تكن عادية فقد ضمت لأول مرة الطب التقليدي والتكميلي كأولوية رسمية وضمت التعاون التنظيمي لتسريع تداول الأدوية بين دول البريكس وضمت التصنيع المحلي كهدف استراتيجي وليس مجرد حلم هذا هو الإطار الذي يمكن لمصر أن تقدم من خلاله مبادرة جريئة لم تغب عن أذهان واضعي السياسات لكنها تحتاج إلى من يتبناها بروح قيادية
في هذه الرحلة نقدم مقترحاً مصرياً متكاملاً للقمة القادمة لمجموعة البريكس مقترحاً يحول مصر من مستورد للمواد الخام إلى مركز إقليمي للتصنيع الدوائي ومن متلقٍ للعلاج إلى مشارك في ابتكاره ومن تابع في منظومة الدواء العالمية إلى قائد في كسر احتكارها
مصر بوابة أفريقيا والشرق الأوسط لماذا هي الدولة الأهم في تحالف الدواء
قبل أن نبدأ في تفاصيل المقترح يجب أن نفهم لماذا مصر هي اللاعب الأكثر أهمية في هذا التحالف الموقع الجغرافي وحده ليس كافياً فمصر تمتلك ما لا تمتلكه أي دولة أخرى في المجموعة
أولاً القوة الصناعية القائمة تمتلك مصر الآن 170 مصنعاً للأدوية تغطي 91% من احتياجات السوق المحلي من حيث عدد العبوات هذه المصانع ليست ورشاً صغيرة بل هي منشآت عملاقة معتمدة من منظمة الصحة العالمية وهيئة الدواء المصرية وإدارة الغذاء والدواء السعودية والعديد من الهيئات الإقليمية والدولية
ثانياً البنية التحتية للبحث والتطوير تمتلك مصر شبكة واسعة من مراكز البحوث الطبية بدءاً من مركز البحوث الطبية وتجديد الخلايا التابع للقوات المسلحة ومروراً بالمركز القومي للبحوث وصولاً إلى مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا وكلية الطب بجامعة عين شمس التي لديها وحدات متخصصة في الطب الجيني والعلاجات الشخصية
ثالثاً القوة البشرية مصر تخرج آلاف الأطباء والصيادلة سنوياً والكثير منهم يعملون في دول الخليج وأوروبا وأمريكا ويثبتون كفاءة عالية هؤلاء هم الكوادر التي يمكن أن تقود مراكز التميز الإقليمية في إطار البريكس
رابعاً الموقع الاستراتيجي مصر هي بوابة أفريقيا والشرق الأوسط معاً أي دواء يصنع في مصر يمكن أن يصل إلى 1.5 مليار مستهلك في قارتين بتكلفة شحن أقل بكثير من أي دولة أخرى في المجموعة
خامساً التجربة الناجحة في توطين الصناعة مصر نجحت بالفعل في توطين صناعة اللقاحات من خلال التعاون مع سيروم إنستيتيوت الهندي والتحالف العالمي للقاحات والتحصين ومراكز السيطرة على الأمراض الأفريقية هذه الخبرة يمكن أن تمتد إلى صناعة الأدوية الحيوية والأدوية الجنيسة عالية الجودة
المقترح المصري إنشاء الوكالة الدوائية الموحدة للبريكس
المقترح الأول الذي يجب أن تقدمه مصر في القمة القادمة هو إنشاء وكالة دوائية موحدة لدول البريكس على غرار وكالة الأدوية الأوروبية لكن بطابع جنوبي مختلف
هذه الوكالة لن تكون مجرد هيئة تنظيمية بل ستكون أداة للتكامل الصناعي مهمتها الأولى توحيد معايير تسجيل الأدوية بين الدول الأعضاء بحيث يكون الدواء المسجل في مصر معترفاً به تلقائياً في البرازيل أو جنوب أفريقيا أو روسيا دون الحاجة إلى إعادة تجارب سريرية مكلفة وتستغرق سنوات
الميزة الكبرى لهذه الوكالة أنها ستخلق سوقاً موحدة تضم أكثر من 3.5 مليار مستهلك مما يجعل تصنيع الدواء مجدياً اقتصادياً على نطاق غير مسبوق شركة أدوية مصرية تنتج دواءً جنيساً سيكون أمامها سوق بحجم قارة بأكملها وليس مجرد سوق محلي محدود
كما ستتولى الوكالة مسؤولية إنشاء نظام للشراء الموحد للمواد الخام حيث تتفاوض دول البريكس مجتمعة مع موردي المواد الفعالة حول العالم وليس كل دولة على حدة هذه القوة الشرائية الهائلة قد تخفض أسعار المواد الخام بنسبة تتراوح بين عشرين وأربعين في المائة
ومن المقرر أن تستضيف الهند أول اجتماع لمجموعة عمل الصحة في عام 2026 كجزء من رئاستها للمجموعة وقد رحبت الدول الأعضاء بما في ذلك مصر بهذا التوجه وأكدت دعمها للتعاون في مجالات التصنيع المحلي للأدوية واللقاحات والتنظيم الموحد هذه ليست مجرد كلمات بل هي إرادة سياسية تحتاج إلى ترجمة إلى مؤسسة دائمة
المقترح الثاني إنشاء بنك المواد الخام الاستراتيجي للبريكس
المقترح الثاني الذي يجب أن تقدمه مصر هو إنشاء بنك للمواد الخام الدوائية الاستراتيجية في إطار البريكس يكون مستودعاً مركزياً للمواد الفعالة الأساسية التي تدخل في صناعة الأدوية الحيوية والمضادات الحيوية وأدوية الضغط والسكر والسرطان
فكرة البنك بسيطة كل دولة تساهم بنسبة من احتياجاتها الاستراتيجية من المواد الخام في هذا المستودع المركزي الذي سيقام في موقع استراتيجي في مصر نظراً لموقعها الجغرافي المتميز على مفترق طرق العالم في حالة حدوث أزمة مثل إغلاق مضيق هرمز أو حصار بحري على أي دولة عضو يتم تفعيل المخزون فوراً لتغطية الاحتياجات
هذا البنك ليس مجرد مخزن بل هو أداة للتفاوض فبدلاً من أن ترضخ كل دولة لشروط الشركات متعددة الجنسيات خوفاً من نقص المواد الخام فإن دول البريكس مجتمعة تمتلك قوة احتكارية مضادة يمكنها أن تفرض شروطها على الموردين العالميين
ومن المقرر أن يدعم إطار البريكس للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المشاريع البحثية المشتركة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والطب الشخصي والتشخيص المتقدم والرعاية الصحية الرقمية بشرط أن تشمل كل مشروع ثلاثة دول أعضاء على الأقل في المسار العادي وأربعة دول في المسار الرئيسي هذا هو الإطار الذي يمكن أن يمول ويشرف على إنشاء هذا البنك كأول مشروع بنية تحتية دوائية عملاق في تاريخ التكتل
المقترح الثالث مراكز التميز الإقليمية المتخصصة بدلاً من محاولة امتلاك كل شيء
المقترح الثالث هو تبني استراتيجية التكامل بدلاً من التنافس فبدلاً من أن تحاول كل دولة أن تصنع كل شيء بنفسها وهو أمر مكلف وغير مجدٍ يمكن توزيع الأدوار حسب الميزة النسبية لكل دولة
مصر ستكون مركز التميز للأدوية الجنيسة عالية الجودة والأدوية البيولوجية واللقاحات نظراً لخبرتها الطويلة في هذا المجال وقربها من الأسواق الأفريقية
الهند ستكون مركز التميز للمواد الخام والصناعات الكيماوية الدوائية الأساسية وهي القوة التي لا يستهان بها في هذا المجال
الصين ستكون مركز التميز للتكنولوجيا الحيوية المتقدمة والذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية والطب الشخصي بناءً على الجينوم
روسيا ستكون مركز التميز للأدوية المضادة للفيروسات والأدوية المستخدمة في الظروف القاسية والأدوية النووية
البرازيل ستكون مركز التميز للأدوية المستخلصة من النباتات والطب الحيوي الاستوائي
جنوب أفريقيا ستكون مركز التميز للقاحات والأدوية المضادة للأمراض المدارية والأمراض المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية
إيران ستكون مركز التميز للتقنيات الحيوية منخفضة التكلفة والتخصصات الصيدلانية ذات الكثافة البحثية العالية
الإمارات ستكون مركز التميز للاستثمار في البحث والتطوير والبنية التحتية اللوجستية للتوزيع السريع
هذا التوزيع ليس مجرد تقسيم إداري بل هو خريطة طريق للبحث والتطوير المشترك فبدلاً من أن تتنافس سبع دول على اكتشاف دواء واحد يمكن أن تتعاون في سبعة مجالات مختلفة في نفس الوقت
المقترح الرابع منصة البريكس للتجارب السريرية متعددة المراكز
المقترح الرابع هو إنشاء منصة موحدة للتجارب السريرية متعددة المراكز تمتد من الصين إلى البرازيل مروراً بالهند ومصر وجنوب أفريقيا
الفكرة أن أي دواء جديد يتم تطويره في إطار البريكس يمكن اختباره سريرياً في وقت واحد في سبع دول مختلفة مما يعني نتائج أسرع وأكثر تنوعاً من حيث الأجناس والبيئات الجينية
هذه المنصة ستحل مشكلة رئيسية تواجه صناعة الدواء في الجنوب وهي أن التجارب السريرية الغربية غالباً ما تُجرى على متطوعين من أصول أوروبية مما يعني أن نتائجها قد لا تنطبق تماماً على السكان في أفريقيا أو آسيا
منصة البريكس ستسمح بتطوير أدوية مخصصة للاحتياجات الخاصة لدول الجنوب وليس مجرد نسخ من أدوية الشمال
ومن المقرر أن يدعم إطار البريكس للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المشاريع المشتركة في مجال التكنولوجيا الحيوية المتقدمة وعلم الجينوم والتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي والطب الشخصي والعلاجات القائمة على الخلايا هذه هي الأدوات التي ستمكن هذه المنصة من النجاح
المقترح الخامس إحياء الطب التقليدي والبيئي كصناعة وطنية
أخيراً وليس آخراً المقترح الخامس والأكثر جرأة هو أن تقود مصر جهود إحياء الطب التقليدي والبيئي كصناعة دوائية حقيقية ضمن إطار البريكس
من المقرر أن تتضمن أولويات مجموعة عمل الصحة لدول البريكس في عام 2026 الطب التقليدي والتكميلي والدمجي كأحد المجالات التسعة الرئيسية للتعاون وقد أعربت الدول الأعضاء ومنها مصر عن دعمها القوي لإدماج الطب التقليدي في أنظمة الصحة الوطنية هذه هي الفرصة
مصر تمتلك ثروة هائلة من النباتات الطبية التي تستخدمها الحضارة المصرية منذ آلاف السنين لكنها تظل غير موثقة علمياً وغير معيارية اقتراح مصر هو إنشاء هيئة البريكس للأدوية العشبية القياسية لتكون مسؤولة عن توثيق النباتات الطبية المستخدمة في كل دولة عضو واختبارها بنفس معايير الأدوية الكيماوية وتسجيلها كأدوية عشبية بمواصفات قياسية
هذا المشروع سيخلق صناعة جديدة بالكامل زراعة النباتات الطبية في مصر وسوريا والهند والصين وجمعها ومعالجتها وتحويلها إلى مستحضرات صيدلانية بمواصفات عالمية وتصديرها إلى العالم هذه ليست بديلاً عن الطب الحديث بل هي مكمل له
المقترح السادس: “دينار البريكس الصحي” – عملة لتسوية المدفوعات الدوائية
لأن الدواء سلعة استراتيجية لا تحتمل تقلبات أسعار الصرف أو حروب العملات، يقترح المشروع المصري نظاماً مالياً مبتكراً لتسوية مدفوعات تجارة الأدوية والمواد الخام بين الدول الأعضاء. يعتمد هذا النظام على التبادل بالعملات المحلية أو عبر “وحدة حسابية رقمية” خاصة بالتحالف الصحي.
هذه الخطوة ستحمي ميزانيات الصحة في دولنا من هيمنة الدولار، وتضمن تدفق المواد الفعالة إلى المصانع المصرية دون عوائق تمويلية، مما يقلل التكلفة النهائية للدواء على المواطن البسيط بنسبة كبيرة.
المقترح السابع: ميثاق البريكس للملكية الفكرية المرنة
تعد قيود “اتفاقية تريبس” TRIPS التي تفرضها منظمة التجارة العالمية أكبر عائق أمام وصول الفقراء للدواء، حيث تحمي احتكارات الشركات الكبرى لعقود. المقترح المصري يدعو لصياغة آلية قانونية موحدة داخل البريكس تحمي الابتكارات المشتركة، وتسمح بـ “التراخيص الإجبارية” في حالات الطوارئ الصحية أو لإنتاج الأدوية المنقذة للحياة بأسعار عادلة.
هدفنا هو كسر “ديكتاتورية براءات الاختراع” وتحويل المعرفة العلمية من ملكية خاصة لشركات الشمال إلى منفعة عامة لدول الجنوب، بما يضمن حق المبتكر دون إهدار حق المريض في الحياة.
الخلاصة حلم يتحقق إذا توحدت الإرادة
ما تقدمه مصر في هذا المقترح ليس مجرد أوراق للقمة بل هو مشروع نهضة صناعية ودوائية لأمة بأكملها دول البريكس تمتلك القوة السكانية والموارد الطبيعية والعقول العلمية والقدرات الصناعية لكنها تفتقر إلى التكامل الوكالة الدوائية الموحدة وبنك المواد الخام ومراكز التميز المتخصصة ومنصة التجارب السريرية الموحدة هي الأدوات التي ستحول هذا التكتل من مجرد كتلة سياسية إلى قوة اقتصادية وصحية حقيقية
مصر ليست مجرد عضو في هذا التكتل بل يمكن أن تكون قلبه النابض بوابة أفريقيا والشرق الأوسط ومركز التميز للأدوية الجنيسة واللقاحات هي التي يمكن أن تقود هذا التحول
السؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس هل ستوافق دول البريكس على هذه المقترحات بل من سيقدمها ومن سيتبناها ومن سيكون لديه الجرأة لتحويل الحلم إلى خطة عمل ومن يدري ربما في القمة القادمة في نيودلهي أو في ريو أو في بكين تكون الكلمة لمصر والموقف لمصر والحل لمصر










