كان من نتائج الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وردود فعلها أن أصبح اسم “مضيق هُرمز” من أكثر التعبيرات تداولًا في وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية، وأصبح مُستقبل حُرية الملاحة في المضيق إحدى القضايا الحاكمة في الوصول إلى نهاية للصراع بين واشنطن وطهران. فما هو هذا المضيق؟ وأين يقع بالضبط؟ وما هو تاريخه؟ وما هي القواعد القانونية المُنظِمة للملاحة فيه؟
من الناحية الجغرافية، يقع المضيق عند المدخل الجنوبي الشرقي لخليج العرب، ويربط بين الخليج من جهة الغرب وخليج عُمان ثم بحر العرب من جهة الشرق. ويشكِّل حدًا مائيًا بين الساحل الإيراني شمالًا والذي يشمل جُزر “قشم” و”لاراك” و”هُرمز” من ناحية، وشبه جزيرة مسندم العُمانية من ناحية أُخرى. ومن ثَم فهو ليس مجرد ممر بحري محلي، بل بوابة الخروج الوحيدة من الخليج إلى المحيط الهندي. ولذلك يُعد بمثابة “صمام الأمان” لاقتصاد العالم وصناعات الطاقة الدولية.
وجدير بالذكر أن المضيق ضيق نسبيًا قياسًا بأهميته الاستراتيجية، إذ يتراوح عرضه عمومًا بين 35 و60 ميلًا بحريًا، ويقل عند أضيق نقطة فيه ليبلغ نحو 29 ميلًا. توجد بداخله قناتان ملاحيتان مُعتمَدتان دوليًا بواسطة المنظمة البحرية الدولية، وكُل منهما بعرض يُقارب ميلين بحريين، وبينهما منطقة عازلة بعرض يقرب من ميلين بحريين أيضًا.
من الناحية التاريخية، سيطر البرتغاليون على مضيق هُرمز في عام 1515، باعتباره مركزًا للتحكم في التجارة بين الخليج والهند. واستمرت هذه السيطرة حتى عام 1622 عندما نجح التحالف بين الشاه الصفوي عباس الأول، المُلقب بعباس الأكبر، مع الإنجليز في طرد البرتغاليين من المنطقة، وأصبحت القوة البحرية البريطانية هي القوة المُسيطرة في الخليج. وفي القرن التاسع عشر، كان المضيق جُزءًا من منطقة الخليج التي دخلت تحت السيطرة البحرية البريطانية، وأقامت سلامًا بريطانيًا، وقننته مُعاهدة “الهُدنة البحرية الدائمة” لعام 1853 التي هدفت إلى ضبط الأمن البحري ومنع الحرب في البحر بين إمارات الساحل العربي.
ازدادت قيمة المضيق في القرن العشرين مع ازدياد أهمية النفط كمصدر ومُحرك للطاقة في العالم. في سنوات الحرب العراقية الإيرانية، تم تسييس المضيق وعسكرته، فشهد ما سُمي بحرب الناقلات. ومع استهداف إيران لناقلات النفط والسُفن التجارية في الخليج، تدخلت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة لضمان حُرية الملاحة. وفي 1988، شنت أمريكا هجومًا شمل منصات نفط إيرانية تُستخدم لأغراض عسكرية، وسُفن حربية إيرانية، وذلك ردًا على انفجار لغم بحري إيراني في فُرقاطة أمريكية في الخليج.
ومن الناحية القانونية، يُعتبر مضيق هُرمز من المضائق التي تربط بين جزء من أعالي البحار بجزءٍ آخر مماثل. ومن ثَم، فإنه يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تفاوضت دول العالم بشأنها لمُدة تسع سنوات قبل التوافق على قواعدها، ووقَّعت عليها 170 دولة. ووفقًا للجزء الثالث من الاتفاقية، تتمتع السُفن (والطائرات) بحق “المرور العابر” عبر المضيق باعتباره ممرًا ملاحيًا دوليًا، بمعنى حق السُفن في المرور المُستمر والسريع والمتواصل دون توقف مع بقاء سيادة الدول المشاطئة قائمة لكن دون حقها في تعطيل أو تقييد حركة المرور. ويُلاحَظ هنا أن الاتفاقية استخدمت تعبير “المرور العابر” الذي يعطي حقاً أوسع وأكبر لحرية الملاحة (والطيران) في المضيق وليس تعبير “المرور البريء” وهو حق السُفن في المرور في البحر الإقليمي دون الإضرار بأمن الدولة الساحلية ويعطي لها حق تنظيمه أو تعطيله في حالة تهديد أمنها. ومن ثَم، لا تملكُ إيران أو سلطنة عُمان، وهُما الدولتان المُشاطئتان للمضيق، الحق القانوني في إغلاق المضيق أو السماح لبعض السُفن بالمرور فيه ومنع غيرها وفقًا لاعتباراتهما السياسية.
من المُفارقات التي تستدعي الانتباه أن أمريكا التي تُدافع اليوم عن حُرية الملاحة في مضيق هُرمز والمضائق الدولية وقَّعت على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار ولكنها لم تُصدِّق عليها. واتصالًا بذلك، فقد وقَّعت إيران على الاتفاقية ولم تُصدِّق عليها أيضًا. وإن كان من الجدير بالذكر أن إيران أرفقت توقيعها على الاتفاقية بمذكرة تفسيرية أعربت فيها عن فهمها لبعض نصوص الاتفاقية مؤكدةً على حقوق الدول الساحلية في “اتخاذ التدابير اللازمة لحماية مصالحها الأمنية… بما في ذلك تنظيم “المرور البريء” عبر مياهها الإقليمية”. وهذا الاقتباس مأخوذ بالنص عن موقع الأمم المتحدة.
هناك تعقيدات وتفصيلات في هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، إذا اطَّلعنا على جدول الدول الموقِّعة على الاتفاقية والمنشور على موقع الأمم المتحدة فلن نجد اسم الولايات المتحدة، وبالبحث يتضح أنها وقَّعت فيما بعد على الاتفاقية بعد تعديل كيفية تنفيذ الجزء الحادي عشر منها، وذلك في عام 1994. ويُعبر الدكتور البريطاني ستيفن بلاكويل في بحثٍ له بعنوان “القانون الدولي للبحار ومضيق هُرمز والأمن البحري” المنشور في 2025، عن هذا الوضع بقوله “في ظل الاتفاقيات القانونية الدولية الحالية، تبدو هناك درجة من الغموض بشأن حقوق السُفن المارة عبر مضيق هُرمز. فبينما يمكن اعتبار “المرور البريء” جزءًا من القانون الدولي العرفي، فإن الوضع أقل وضوحًا عندما يتعلّق الأمر بـحق “المرور العابر”. ورغم أن الدول المشاطئة مثل إيران لا يحق لها، وفقًا للأعراف الدولية، عرقلة حركة الملاحة، فإن هذه الدول لا تزال تحتفظ بحقوق سيادية على مياهها الإقليمية”.
وأعتقد أن من أساتذة القانون الدولي العام من هم أقدر مني على حسم هذا الخلاف.










