بسبب الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران دخل الرئيس دونالد ترامب في حروب كلامية مع شخصيات عالمية مؤثرة؛ زعماء دول ورؤساء حكومات وقيادات روحية، وأيضا مع شخصيات أمريكية بارزة في الإعلام والكونجرس والجامعات والسلك الدبلوماسي، هؤلاء جميعا رفضوا الحرب، ورأوها ظالمة غير قانونية، وليس لها مبرر إلا مساندة إسرائيل، أو مساندة نتنياهو شخصيا، ولذلك أطلقوا عليها (حرب نتنياهو)، وهناك من أسماها (حرب إبستين) على اعتبار أنها جاءت للتغطية على فضائح ترامب وشركائه في جرائم الملياردير الأمريكي (إبستين) عميل الموساد الإسرائيلي.
وقد تبادل ترامب مع بعض هذه الشخصيات المعارضة شتائم واتهامات وإهانات وألفاظا نابية، ووصل الأمر ببعض المعارضين في الكونجرس إلى جمع توقيعات وتشكيل لجان تدعو للكشف على قدرات الرئيس العقلية تمهيدا لعزله، وظهرت دعوات تحرض الجيش الأمريكي على الانسحاب من الحرب، وتكوين جيش بديل من (طبقة إبستين) يحارب إيران، لا يشارك فيه الشعب الأمريكي.
وبقدر ما كانت كلفة الحرب باهظة على الأمريكيين كانت وطأة المعارضة ثقيلة على ترامب وفريقه، خصوصا بعد إقالة رئيس الأركان الذي كان رافضا للحرب، وما أشيع عن معارضة دي فانس نائب الرئيس لها، وتزايد الاتهامات لترامب بالكذب والجنون والنرجسية والانفصال عن الواقع، وكلها اتهامات تنال من هيبته وهيبة أمريكا.
وربما ينسى الناس بعد حين حروب ترامب الشخصية مع الزعماء والرؤساء والسياسيين، لكن من الصعب أن ينسوا حربه مع بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، أول قس أمريكي يجلس على رأس الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ، وله شعبية واسعة بين الأمريكيين، ومن المفارقات أن ترامب فاز بـ 59% من أصوات الكاثوليك في انتخابات 2024، رغم خلافاته مع بابا الفاتيكان السابق فرانسيس عام 2016 خلال رئاسته الأولى، وكانت خلافات قصيرة انتهت بتهدئة سريعة، لكن الصراع مع البابا الحالي عميق التأثير.
في فبراير الماضي انتقد البابا سياسات ترامب في قضايا الهجرة والتدخل في فنزويلا معتبرا أنها لا إنسانية ومخالفة لرسالة السلام في الإنجيل، ثم حدث التصعيد غير المسبوق مع الأيام الأولى للحرب على إيران، حين كان ترامب في نشوة التهديد والوعيد، فقابله البابا بنداء يطالبه بالبحث عن مخرج من النزاع وإعطاء الأولوية للدبلوماسية، وعندما هدد ترامب بأنه “إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز فإن حضارة بأكملها ستباد” رد البابا فورًا بأن “هذا تهديد لشعب بأكمله، وانتهاك للقانون الدولي غير مقبول، ويجب على الكاثوليك الاتصال بممثليهم في الكونجرس لرفض الحرب”، كما تحدث البابا عن”وهم القدرة المطلقة الذي يدفع إلى عدم الاستقرار العالمي”، مؤكدا أن “الله لا يبارك أي صراع ولا يستمع إلى صلوات من امتلأت أيديهم بالدماء”.
وجاء رد ترامب في منشور على منصة (تروث سوشيال) هاجم فيه البابا، ووصفه بأنه “ضعيف وسيئ وليبرالي يخدم اليسار المتطرف ويؤذي الكنيسة الكاثوليكية”، وطالبه بـ”التركيز على أن يكون بابا عظيما لا سياسيا”، مدعيا أنه انتخب فقط لأنه أمريكي، “ولو لم أكن في البيت الأبيض ما كان ليو في الفاتيكان”، ثم ألحق بالمنشور صورة له بالذكاء الاصطناعي يبدو فيها شبيها بالمسيح يشفي مريضا، لكنه حذفها لاحقا، مما أثار اتهامات له بالتجديف في الدين.
وبهدوء حازم رد البابا: “ليس لدي أي خوف من ترامب، ولا من التحدث بصوت عالٍ عن رسالة الإنجيل، وكلماتي ليست هجوما وسأستمر في الدعوة للسلام”، لكن ترامب بالغ في الهجوم مدعيا أن البابا يريد لإيران امتلاك سلاح نووي، ومؤكدا: “يجب أن يفهم أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحا نوويا”، وحينما طلب منه أن يلتقي البابا ويعتذر له قال: “إن لقاء البابا غير ضروري، ولن أعتذر لأنه مخطئ”، وهنا شدد البابا لهجته منددًا بـ”عالم يدمر على يد حفنة من الطغاة، ينفقون المليارات على الحروب بدلا من البناء، ويستخدمون الدين لتبرير العنف ضد الآخرين، لكن قلب الله ليس مع المتسلطين والمتكبرين، ولذلك لابد من تغيير جذري نحو السلام والعدالة”.










