يسبقها الحسّ والبرود… كأن الحياة نفسها تعلمت أن تمشي على أطراف أصابعها حين تقترب منها. كانت تلك اللحظة تشبه أغنية بعيدة يرددها المتعبون في سفرهم الطويل، لا أحد يعرف متى بدأت، لكن الجميع يحفظون لحنها دون أن يفهموا معناها. تتسلل بين أنفاسها كراحة مؤجلة، لا تكتمل ولا تغيب، تملأ القلب بشيء يشبه الطمأنينة لكنه ليس طمأنينة، وتستقر في الصدر كدفءٍ هارب من الحزن قبل أن يُقبض عليه.
كانت باريس في ذلك اليوم تمطر بهدوء، ليس كمدينةٍ تبكي، بل كامرأة تعرف أن الحزن حين يتجمّل يصبح أقل قسوة. الشوارع لامعة، والأضواء تنعكس على الأرصفة كأن المدينة تضع مساحيقها الخاصة قبل أن تستقبل الليل. وهي كانت تمشي وحدها، تحمل في داخلها ازدحامًا لا يشبه هذه الوحدة الهادئة من حولها. لا أحد يرى ما بداخلها، حتى هي أحيانًا كانت تتظاهر بأنها لا تراه.
توقفت أمام مرآة صغيرة في مقهى قديم، لم تكن تبحث عن وجهها، بل عن فكرة نفسها. بلمسة كحلٍ وأحمر شفاه رمّمت انكسارها كما لو أنها تعيد ترتيب حياةٍ سقطت على الأرض دون أن تكسرها بالكامل. كانت تعرف كيف تبدو قوية، تعرف كيف ترتدي ملامح لا تُشي إلا بالثبات، كأن الندوب لم تمر يومًا على روحها، كأنها لم تتعلم من الألم كيف يكون حاضرًا دون صوت.
دخل هو بعد لحظات، كأنه جزء من المشهد لم يكتبه القدر بعد. لم يكن دخوله صاخبًا، بل خفيفًا، كفكرةٍ تتسلل إلى رأس لا يريد التفكير. نظر إليها طويلاً، ليس كمن يرى امرأة، بل كمن يرى احتمالًا للحياة كان مؤجلًا. ابتسم، وقال كأنه يختبر اللغة بينهما:
“bien dit…”
ثم أضاف بالعربية، كمن يلتقط معنى أعمق من الحروف:
“سلم بيانك…”
وأخيرًا، وببساطة مصرية خفيفة كسرت جمود اللحظة:
“يسلم بُؤك…”
ضحكت، لكنها لم تكن ضحكة كاملة. كانت أقرب إلى اعتراف صغير بأنها فهمت، وأنها تخشى الفهم. بينهما لم تكن هناك بداية واضحة، ولا نهاية محتملة، فقط هذا الشيء المعلق بين الحب والنجاة، بين الرغبة في الاقتراب والخوف من أن يصبح الاقتراب فقدانًا آخر.
في الأيام التالية، صارت اللقاءات قصيرة، لكنها مشبعة بما لا يُقال. كان يتحدث، وهي تصغي أكثر مما ينبغي، وكأنها تتعلم كيف تكون موجودة دون أن تنهار. هو كان يرى فيها امرأة قوية، لكنها كانت تعرف أن القوة ليست إلا طريقة أنيقة لإخفاء التعب. ومع ذلك، كانت معه أقل قسوة على نفسها، كأن صوته وحده قادر على تهدئة الضجيج الذي يسكنها.
لكن الحب، في صورتِه التي لا تُشبه الأحلام، لم يكن خلاصًا كاملًا. كان هناك دائمًا ظلّ صغير يقف بينهما، شيء غير مُسمّى، خوف قديم من أن كل ما يبدو جميلًا قد ينكسر فجأة دون إنذار. كانت تقترب… ثم تتراجع داخل نفسها، كأن قلبها لا يثق في ما يحب، أو يخشى أن يدفع ثمن هذا القرب لاحقًا.
وفي ليلة باردة، حين كانت باريس أكثر صمتًا من المعتاد، أدركت أن ما بينهما ليس وعدًا مكتملًا، بل قصة تمشي على حافة الضوء. لم تكن خاسرة، لكنها لم تكن ناجية تمامًا أيضًا. كانت فقط امرأة تعلّمت أن تحمل حبًا يشبهها: جميلًا… ومتعبًا في الوقت نفسه.
وهو، حين نظر إليها آخر مرة، لم يقل شيئًا.
لأن بعض الجمل…
لو قيلت، ستُفسد كل ما لم يُعش بعد.










