في هذا النص، لا تمارس الروائية هدى حجاجي أحمد فعل البوح المجرد، بل تبني هندسة شعورية تعتمد على “المفارقة الزمنية” والمكانية، حيث يتجاوز النص فكرة الفقد التقليدية ليشتبك مع مفهوم الهوية؛ فالعودة إلى التلة ليست بحثاً عن “الآخر” بقدر ما هي محاولة لاستعادة “الأنا” التي فُقدت في زحام الغياب. تفتتح الكاتبة نصها بصدمة “الثبات”، حيث التلة والريح والاسم عناصر باقية، مقابل تحول وحيد وجذري أصاب “الآخر”، وهذا التوظيف لثبات الجغرافيا يعمق من حدة الانكسار النفسي، فالمكان هنا لا يعمل كخلفية للأحداث، بل كشاهد حي يحرج الذاكرة، كما أن الجمل القصيرة المتلاحقة في البداية خلقت إيقاعاً متوتراً يشبه نبضات القلب عند مواجهة الحقيقة حين تقول: “التلّة لم تتغيّر… لكن شيئاً واحداً فقط تغيّر… أنت”.
وثمة اشتغال ذكي على ما يمكن تسميته “بالحركة السكونية”، إذ تصف الكاتبة الآخر بأنه يصل للنافذة “دون أن يخطو خطوة”، وهنا نخرج من حيز الفعل المادي إلى الفعل الروحي الكثيف. ورغم أن مفردات مثل “الشفق” و”النافذة” تبدو من الأدوات الأليفة في أدب الوجدانيات، إلا أن الكاتبة أعادت شحنها درامياً حين جعلت الشفق “يجلس في مكاني القديم”، وهذا التجسيد حوّل الضوء من ظاهرة بصرية إلى كائن يملأ الفراغ، مما منح الغياب جسداً ملموساً. ينساب النص بجمل طويلة تتنفس فيها الذكرى، ثم تنقطع فجأة بجمل تقريرية حادة تعبر عن حالة “اللهاث” الروحي، ومع ذلك، نجد أن النص يميل في نهايته نحو المباشرة التي قد تضعف من غموض الشعرية؛ فجملة “أدركت متأخرة أنك كنت تسكنني” جاءت كتفسير ذهني لما كان يجب أن يظل شعوراً مستتراً خلف الصور، فربما كان الصمت أو الاكتفاء بصورة “تلاشي الضوء” أكثر قدرة على حمل ثقل النهاية.
يستقر النص في الختام عند مفهوم “الحلول”، فالآخر لا يرحل إلى الخارج بل ينسحب إلى الداخل، مخلفاً وراءه “لون المساء” فقط، وهذا الربط بين الشخص واللون يحول الغياب إلى حالة بصرية دائمة، تجعل من كل مساء موعداً قسرياً مع الذكرى. إن نص هدى حجاجي، رغم تقاطعه مع تيمات الفقد المعتادة، يظل محتفظاً بخصوصيته من خلال قدرته على تحويل “التلة” من نقطة مراقبة إلى منصة للمواجهة مع الذات، مستخدماً لغة بسيطة في مفرداتها، لكنها معقدة في أبعادها الفلسفية التي تتساءل في صمت: هل يرحل الآخرون فعلاً، أم أنهم يعيدون صياغتنا ثم يختبئون في تفاصيلنا؟
بقلم الأديب والناقد ماجد القيسي
النص كما ورد
قصة قصيرة — من أعلى التلّة
حين أتسلّل حكايتك وأبصرك من أعلى التلّة،
أشعر أنني لا أنظر إليك فقط… بل أعود إليّ.
كنتُ أجيء إلى هنا كل مساء، إلى نفس المكان الذي كنا نقف فيه معًا.
التلّة لم تتغيّر، والريح ما زالت تعرف اسمي،
لكن شيئًا واحدًا فقط تغيّر…
أنت.
من هناك، حيث كنت تقف،
أرى نافذتي الصغيرة.
أتعجّب كيف كنت تصل إليها كل مساء
دون أن تخطو خطوة…
وكيف كانت حمرة الشفق
تسبقك إليّ،
كأنها رسولك الخفي.
في تلك اللحظات،
كنتُ أفتح النافذة دون سبب،
فيمتلئ قلبي بلونٍ لا أعرفه،
لون يشبهك…
ولا يشبه أحدًا سواك.
اليوم…
أقف وحدي.
أحاول أن أراك،
أن أستعيد تلك الخطوة التي لم تخطها،
ذلك الحضور الذي كان يعبر المسافات بلا تعب.
لكن الشفق يأتي وحده الآن،
يدخل نافذتي…
ويجلس في مكاني القديم.
أحدّثه عنك،
فيصمت.
أمدّ يدي نحوه،
فلا أجد سوى ضوءٍ يتلاشى.
أدركت متأخرة…
أنك لم تكن تسكن التلّة،
ولا النافذة…
كنت تسكنني أنا.
وحين رحلت…
لم يبقَ منك
إلا لون المساء.











