دراسة في الحاجة إلى فتح باب الاجتهاد الطبي بدلاً من الإغلاق تحت وطأة احتكار شركات الأدوية العالمية
في الثامن عشر من مارس 2026، اجتمع وزير الصحة المصري ورئيس هيئة الدواء لبحث أزمة خانقة بدأت تطل برأسها على سوق الدواء المصري لم تكن أزمة نقص دواء بعينه بل كانت أزمة هيكلية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود عالمياً وزيادة تكاليف الشحن بنسبة قد تصل إلى ثلاثمائة في المائة في بعض الحالات كلها عوامل هددت سلاسل توريد المواد الخام الدوائية المستوردة
المواد الخام وهي تسعون في المائة من مدخلات الصناعة الدوائية المصرية تأتي من الخارج أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب يعني توقف خطوط الإنتاج رئيس شعبة الأدوية الدكتور علي عوف حذر صراحة إذا استمرت الأزمة أكثر من ثلاثة أشهر فسيكون من الضروري إعادة النظر في تسعير الأدوية بشكل كامل وهنا يبرز السؤال الذي لا تجرؤ المؤسسة الطبية على طرحه لماذا نظم مكتوفي الأيدي نستجدي شركات الأدوية العالمية لتوفير المواد الخام ونمنع على أنفسنا دراسة وتطوير الطب البيئي والطب الشعبي والطب البديل والطب النبوي والطب الفرعوني كبدائل علاجية مشروعة
الأرقام تتحدث بصوت مرتفع صادرات الدواء المصري قفزت إلى 1.3 مليار دولار في 2025 وتحقق الشركات المحلية واحداً وتسعين في المائة من الاكتفاء الذاتي من حيث عدد العبوات لكن هذه الأرقام تخفي حقيقة مرة الاكتفاء الذاتي في التصنيع لا يعني الاستقلال في المواد الخام المواد الفعالة لا تزال مستوردة بالكامل تقريباً نحن نجمع الأجزاء ونعبئها لكننا لا نصنع الجوهر في المقابل الطب الشعبي والبيئي والبديل والفرعوني يعتمد على مواد خام محلية متوفرة من أعشاب وعسل وحبة سوداء وحناء وزيوت عطرية لكننا نتعامل معها بازدراء أكاديمي وتنظيمي
لماذا لا ندرس هذه البدائل في كليات الطب بجدية بدلاً من حصرها في كليات الصيدلة أو تركها للممارسين غير المرخصين لماذا لا نخصص ميزانيات للبحث العلمي لاختبار فعالية العلاجات النبوية والبيئية والفرعونية بنفس منهجية التجارب السريرية العشوائية التي تخضع لها أدوية شركات فايزر وميرك الجواب لأن المنظومة الطبية الحالية أصبحت رهينة لوبي الدواء العالمي الذي يرى في أي بديل محلي تهديداً لسيطرته على السوق
الطب بمصر القديمة حين كان الفرعون أول طبيب ومعبد سخمت أول مستشفى متخصص
قبل أن تكون هناك كلية طب قصر العيني أو هيئة الدواء المصرية كان على أرض مصر قبل سبعة آلاف عام أقدم نظام طبي منظم في تاريخ البشرية لم يكن الطب المصري القديم مجرد خرافات وأساطير كما صوره بعض المستشرقين بل كان نظاماً متكاملاً يجمع بين الجراحة الدقيقة والصيدلة المتقدمة والطب النفسي والعلاج البيئي في وحدات متكاملة
في وادي النيل حيث تتدفق الحياة كانت تقوم بيوت الحياة وهي مؤسسات طبية تعليمية متكاملة جمعت بين العبادة والعلاج والتعليم وكانت تضم أقساماً متخصصة للجراحة وأقساماً للصيدلة وأخرى للعلاج النفسي وأقساماً للتدريب الطبي وكانت المستندات الطبية تدرس وتنسخ وتنقل بين الأجيال في نظام تعليمي منظم لم تعرفه البشرية إلا بعد آلاف السنين
بردية إدوين سميث التي تعود إلى عام 1600 قبل الميلاد هي أقدم كتاب جراحي في التاريخ تصف ثماني وأربعين حالة إصابة بترتيب تشريحي دقيق يبدأ من الرأس وينتهي بالعمود الفقري وتنتهي بالجذع العلوي وتحتوي على أول وصف منهجي لأعراض وعلامات وفحص وتشخيص وعلاج الإصابات الرضحية وتصنف الحالات إلى ثلاث فئات حالة أعالجها وحالة أصارعها وحالة لا أعالجها وهو تصنيف طبي دقيق لم يظهر في الطب الأوروبي إلا بعد ألفي عام
أما بردية إيبرز التي يعود تاريخها إلى عام 1550 قبل الميلاد فكانت موسوعة طبية شاملة بطول عشرين متراً تحتوي على سبع مئة وسبع وسبعين وصفة علاجية موزعة على أربعة وعشرين قسماً طبياً يغطي كل جزء من أجزاء الجسم من الرأس إلى أخمص القدمين وتشمل علاجات لأمراض العيون والأذن والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وأمراض النساء والولادة والأمراض الجلدية وأمراض القلب والأوعية الدموية
المصريون القدماء كانوا رواد التخصصات الطبية فقد كان هناك طبيب للأسنان وطبيب للعيون وطبيب للبطن وطبيب للنساء وأطباء متخصصون في الجراحة وأطباء متخصصون في الأعشاب وأطباء متخصصون في العلاج الروحي وكانت الدولة تخصص رواتب ثابتة للأطباء وتشرف على جودة الخدمات الطبية وتجري عمليات التفتيش inspections دورية على الأدوية والمستحضرات الصيدلانية
إمحوتب وزير الملك زوسر ومهندس هرم سقارة المدرج هو أول طبيب يُعرف اسمه في التاريخ وكان يُقدس كإله للطب والشفاء بعد وفاته وظل إله الشفاء المصري مؤثراً في الحضارة اليونانية حيث ارتبط اسمه بأسقليبيوس إله الطب عند الإغريق
أما كهنة الإلهة سخمت فكانوا رواد الصحة العامة في التاريخ القديم حيث كانوا يشرفون على سلامة اللحوم المقدمة للجماهير في الاحتفالات الجماهيرية لتجنب انتشار الأوبئة وهو أول اعتراف بأن الأمراض قد تنتقل من الحيوانات إلى البشر
ولم يقتصر الطب المصري القديم على العلاج الطبيعي بل كان يمتد إلى العلاج البيئي والنفسي فكانت المعابد تعمل كمستشفيات متكاملة تقدم الإيواء والغذاء والعلاج الطبيعي والنفسي للمرضى وكان المرضى يقيمون في ملاحق خاصة بالمعابد للنوم والحلم حيث كان الكاهن يفسر الأحلام ويقدم العلاج النفسي المناسب وهو ما نسميه اليوم العلاج بالتنويم والتحليل النفسي
العالم المصري القديم كان أول من اكتشف الدورة الدموية ووصف القلب كمركز للأوعية الدموية وربط النبض بحركة القلب وهو اكتسب هذه المعرفة المتقدمة من خلال عملية التحنيط التي منحتهم فهماً دقيقاً للتشريح البشري لم يتوفر لأي حضارة أخرى في ذلك الزمان
الطب البيئي حين تكون البيئة هي الدواء الأول
عُقد في مايو 2025 مؤتمر بجامعة قناة السويس تحت عنوان دور القطاع الطبي في مكافحة التلوث والتحديات البيئية نحو تنمية مستدامة هذا المؤتمر كان خطوة في الاتجاه الصحيح لكنه بقي حبيس الأطر النظرية للتوعية البيئية ولم يتطرق إلى الطب البيئي كتخصص علاجي الطب البيئي لا يقتصر على علاج أمراض التلوث كالربو والحساسية بل يمتد إلى استخدام العناصر البيئية من ماء وهواء وتربة ونباتات كأدوات للوقاية والعلاج
في سانت كاترين بجنوب سيناء يعيش أحمد صالح المعروف بين أبناء قبيلته باسم الطبيب رغم أنه ليس لديه أي مؤهل طبي أكاديمي هذا الرجل البسيط استطاع أن ينشئ حديقة تضم أكثر من أربع مئة واثنين وسبعين نوعاً من النباتات الطبية منها تسعة عشر نوعاً لا توجد إلا في سانت كاترين واثنان وأربعون نوعاً مهددة بالانقراض ويستخدم هذه النباتات لعلاج الأمراض المزمنة من العقم والسكري والتهاب المفاصل والإيدز والربو والفشل الكلوي ومشاكل الدورة الدموية والهرمونية ويصنع منها شاياً وخلطات وزيوتاً وحبوباً ويبيعها في صيدليته الصغيرة
قصة أحمد صالح ليست معجزة فردية بل هي امتداد لتراث عريق يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد حيث اعتمد البدو في سيناء على معرفتهم العميقة بالنباتات البرية للبقاء في أقسى بيئات الأرض وانتقلت هذه المعرفة من جيل إلى جيل عبر التطبيق العملي والرواية الشفهية
تخيل أن كلية طب في مصر تُنشئ قسماً للطب البيئي يدرس فيه الطلاب تأثير جودة الهواء على الأمراض التنفسية المزمنة وطرق العلاج باستخدام مؤشرات الطبيعة ودور التربة والمياه الجوفية في انتشار الأمراض الجلدية وكيف يمكن استخدام الطين في العلاج كبديل للكريمات الكورتيزونية المستوردة باهظة الثمن والاستفادة من المناخ المصري بشمسه الساطعة في العلاج بضوء الشمس لمرضى الصدفية واليرقان الوليدي بدلاً من الاعتماد على أجهزة الاستيراد
هذه ليست خرافات العلاج بالطين والعلاج بالضوء لهما أصول علمية راسخة في أوروبا وتحديداً في ألمانيا وسويسرا لكننا نستورد تلك العلاجات البيئية من الخارج بعد تغليفها بغلاف منتجعات صحية بينما هي متوفرة في بيئتنا المحلية بتكلفة صفر تقريباً كليات الطب المصرية لا تدرس الطب البيئي بينما جامعات أوروبية عريقة مثل جامعة فرايبورغ الألمانية لديها أقسام كاملة للصحة البيئية الفرصة ضائعة ونحن ندفع الثمن
الطب الشعبي والبديل حين يكون التراث المصري أغنى من مختبرات الغرب
في عيادات الأوازيس في القاهرة يُقدم العلاج بالأعشاب والعلاج المثلي والوخز بالإبر والتأمل واليوغا هذا ليس إعلاناً لمركز تجاري بل هو دليل على أن الطلب على الطب البديل موجود بالفعل في مصر وأن القطاع الخاص يلبي هذا الطلب لكن المؤسسة الأكاديمية ممثلة في كليات الطب تغض الطرف عنه
ما هو حجم الطب البديل عالمياً منظمة الصحة العالمية قدرت أن ثمانين في المائة من سكان العالم يعتمدون على الطب التقليدي في رعايتهم الصحية الأولية هذا ليس رقماً صغيراً هذا يعني أن الغالبية العظمى من البشر خاصة في الدول النامية لا تنتظر موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لاستخدام الحبة السوداء أو الزنجبيل
في مصر نمتلك كنزاً من الطب الشعبي الحبة السوداء أثبتت أبحاث عصرية وليس فقط أحاديث نبوية فوائدها في تعديل المناعة ومقاومة الربو والحساسية لكن لا يوجد بروتوكول علاجي موحد لاستخدامها في مستشفيات جامعة القاهرة والحناء يستخدم تقليدياً لعلاج فطريات الأظافر وبعض الأمراض الجلدية ما هي الجرعة الفعالة وما هي موانع الاستخدام لا أحد يعرف لأن كليات الطب لا تدرس الحناء كعلاج والعسل الأسود يستخدم في الريف المصري لعلاج فقر الدم هل جربت أي دراسة مصرية مقارنة بين فعالية العسل الأسود وأقراص الحديد المستوردة في علاج فقر الدم الناجم عن عوز الحديد الإجابة لا لأن هذه الدراسة غير أكاديمية في نظر لجان أخلاقيات البحث الطبي
الفرق بين مصر والغرب هو أن ألمانيا لديها لجنة E التي وافقت على استخدام مئات الأعشاب كأدوية بوصفة طبية بينما نحن نعتبر نفس الأعشاب مكملات غذائية أو غذاء فقط نحن نستورد إشنسا الألماني لعلاج نزلات البرد بينما نمتلك العرقسوس المصري الذي لا يقل عنه فعالية لكنه يباع في العطارة فقط نحن نستورد الجنكو بيلوبا لتحسين الذاكرة بينما نمتلك الميرمية وإكليل الجبل في حدائقنا لكن لا طبيب مصري يصفهما
لماذا لا تتبنى كليات الطب مشروعاً قومياً لإحياء الطب الشعبي بالتعاون مع وزارة الثقافة لتوثيق التراث الشفهي ووزارة الزراعة لزراعة النباتات الطبية بمواصفات قياسية وهيئة الدواء لتسجيل هذه الأعشاب كأدوية عشبية بمواصفات مصرية الجواب لأن النظام الحالي مريح للشركات العالمية أسهل من أن نعيد اكتشاف عشبتنا أن نشتري دواءً جاهزاً من شركة سويسرية
الطب النبوي بين الإيمان والعلم
الطب النبوي هو أكثر الملفات إثارة للجدل وأيضاً أكثرها إهداراً للموارد النقاش الحالي محصور بين طرفين طرف يؤمن بكل ما ورد في الأحاديث النبوية عن العلاج كأنها مسلمات قطعية مع أن بعضها كان توصيات لبيئة الجزيرة العربية قبل ألف وأربعمائة عام وطرف يرفضها رفضاً كلياً بحجة أنها غير علمية
الحل الوسط الذي ترفضه المؤسسة الأكاديمية هو تحويل الطب النبوي إلى فرضيات علمية قابلة للاختبار الحديث النبوي عن الحبة السوداء شفاء من كل داء ليس وصفة طبية بل هو توجيه إلهي للبحث يجب أن يدفع هذا الحديث الباحثين المصريين لدراسة الحبة السوداء في أمراض المناعة الذاتية كالذئبة الحمراء والتصلب المتعدد الحديث عن العجوة تمر المدينة ليس مجرد سنة بل يجب أن يكون موضوع أطروحة دكتوراه لدراسة تأثير التمر على التئام الجروح أو تقليل الالتهابات
ما يحدث الآن هو أن الطب النبوي يُترك للخطباء والدعاة الذين يقدمون نصائح طبية خطيرة أحياناً مثل الاكتفاء بالعسل لعلاج الجروح المصابة أو استخدام الحجامة دون تعقيم لو كانت كليات الطب تدرس الطب النبوي ويدرّسه أساتذة متخصصون في المناعة والأحياء الدقيقة لكان من الممكن ترشيد هذه النصائح متى يكون العسل كافياً كمضاد حيوي موضعي للجروح السطحية ومتى يجب اللجوء إلى المضادات الحيوية الكيماوية
هذا النوع من التكامل غير موجود لأنه يتطلب تواضعاً من الطرفين تواضع رجال الدين للاعتراف بأن الطب يتطور وتواضع الأطباء للاعتراف بأن الوحي الإلهي قد يسبق العلم الخوف من فتح باب الاجتهاد في الطب النبوي هو ما يبقينا في دائرة الجمود بينما تُجرى في الخارج تجارب سريرية على البخور لعلاج الاكتئاب نحن لا نزال نناقش حرمانية أو شرعية استخدام البخور في العلاج حان وقت نقل النقاش من دائرة الفتوى إلى دائرة البحث العلمي
الموقف الحالي من البدائل في مصر هل هناك أمل
على الجانب الإيجابي هناك خطوات متفرقة هيئة الدواء المصرية أطلقت حملة قطائف دوائية لتعزيز الوعي بالاستخدام الآمن للأدوية هذا وعي لكنه يبقى وعياً بالدواء الكيميائي فقط أيضاً هناك منصات طبية مثل الطبي تسمح بالبحث عن أطباء طب أعشاب وهذا دليل على أن التخصص بدأ يظهر في السوق كما أن شركات مثل إيفا فارما تستثمر في الأدوية الحيوية وهذا مؤشر على تحول تدريجي من التقليد إلى الابتكار
لكن هذا لا يكفي ما زلنا نستورد المواد الخام وما زلنا نمنع البدائل الطبيعية من دخول المستشفيات الجامعية لقد نجحت مصر في توطين صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية بفضل الشراكات الدولية لماذا لا ننجح في توطين صناعة المستحضرات العشبية القياسية التكنولوجيا موجودة والعقبات ليست تقنية بل هي عقلية وتنظيمية
المطلوب هو قرار جريء من وزارة التعليم العالي بتعديل لوائح كليات الطب يجب أن تصبح الطب البيئي والطب الشعبي والطب البديل والطب النبوي والطب الفرعوني مواداً اختيارية في السنوات الأولى ثم تخصصات في الدراسات العليا هذا لا يعني إجبار الطالب على الإيمان بالعلاج بالطاقة بل يعني تعليمه كيفية اختبار هذه العلاجات علمياً كيف تصمم تجربة سريرية لقياس تأثير الحجامة على ضغط الدم كيف تقيس تأثير العسل على التئام الجروح مقارنة بالمراهم التقليدية هذا هو الطب المبني على البراهين بعينه
في النهاية قصة اعتماد مصر على المواد الخام المستوردة تذكرنا بأن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بامتلاك المصانع فقط بل بامتلاك مصادر المواد الخام والمواد الخام للبدائل الطبيعية موجودة في أرضنا من نباتات ومعادن وطين لكنها تحتاج إلى وصفة طبية أكاديمية لتحويلها من علف للحمير إلى علاج للإنسان حان وقت الفصل بين الجهل بالطب البديل وتحريمه يمكن للإنسان أن يحرم ما يعرفه ولا يمكنه أن يحرم ما يجهله العلم هو الذي سيفك هذا الاشتباك وليس الأوامر والنواهي










