حياة بسيطة، تتكرر كل يوم كأنها نسخة من نفسها: الدكان في الصباح، الجيران عند الباب، وكأس أتاي في المساء. لا شيء يخرج عن العادة.
أنت لا تنتظر من الحياة شيئًا خارج هذا الهدوء.
في صباح عادي، تقرأ ورقة وصلت مع البضائع. جملة تبدأ ولا تكتمل:
“هذا الإشعار يخص…” ثم فراغ.
تبتسم: خطأ بسيط.
لكن الفراغ لا يبقى وحده.
في الأيام التالية، وأنت تتصفح مواقع التواصل، تبدأ الجمل تتكسر أمامك. منشورات ناقصة. كلمات تختفي بعد لحظات من ظهورها. كأن اللغة تفقد توازنها بصمت.
تسأل الآخرين. يجيبونك بلا اهتمام: “كل شيء عادي”.
لكن رسائلهم إليك… ناقصة أيضًا.
ومع الوقت، لم يعد الأمر خطأ في النصوص. صار شيئًا آخر: إحساس بأن المعنى نفسه يتراجع، يتآكل، دون سبب.
كأن العالم لم يعد يقول كل ما يريد قوله.
هنا تبدأ “الكافكاوية” في المسرح.
إنها ليست مجرد أسلوب كتابة، بل إحساس كامل بالارتباك داخل عالم يبدو مألوفًا من الخارج، وغامضًا من الداخل. هذا الاتجاه مستوحى من أعمال فرانتس كافكا، الذي جعل من القلق اليومي مادة فنية، ومن العادي شيئًا مقلقًا.
في المسرح الكافكاوي، لا توجد أحداث ضخمة ولا نهايات واضحة. الشخصيات تبدو عادية، لكنها تجد نفسها داخل واقع لا تفسير له. كل شيء يبدأ طبيعيًا، ثم ينزلق بهدوء نحو الغرابة.
لا تحتاج الخشبة إلى صخب. يكفي: باب لا يُفتح.
جملة ناقصة.
انتظار طويل بلا سبب.
صمت لا يشرح نفسه.
هكذا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى علامات قلق.
الإنسان في هذا المسرح لا يواجه قوة واضحة فقط، بل يواجه الغموض نفسه: عالم لا يقدّم تفسيرًا، ولا يسمح باليقين. لذلك يشعر المتفرج أنه يرى شيئًا قريبًا من حياته اليومية، لكن بشكل مكثّف ومكشوف أكثر.
وقد أثّرت هذه الرؤية لاحقًا على المسرح العبثي، خاصة عند صامويل بيكيت وأوجين يونسكو، حيث صار المسرح مساحة للأسئلة لا للأجوبة.
وفي النهاية، يبقى جوهر الكافكاوية بسيطًا ومقلقًا في الوقت نفسه:
عالم يبدو عاديًا…
لكن شيئًا داخله لا يكتمل.











