تتوقع دوائر سياسية عديدة أن تتغير طبيعة التحالفات الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذلك بعد ما أظهرته الحرب من اتساع الهوة بين التوقعات والواقع، وضعف هذه التحالفات، أو على الأقل محدوديتها، في توفير مظلة الأمن الكافية لحماية دول الخليج مع وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أرضها.
وليس سرا أن هناك إحباطا مكتوما لدى دول الخليج إزاء الالتزام الأمريكي بحماية أمنها في مواجهة ضربات عسكرية كان يجب أن يأتي الرد الأمريكي عليها سريعا وحاسما، فعندما هاجم الحوثيون منشآت النفط السعودية عام 2019 لم تفعل واشنطن أكثر من إرسال بعض الدفاعات الجوية إلى الرياض، وعندما شن الحوثيون هجمات على مطار أبوظبي عام 2022 اكتفت الولايات المتحدة بالإدانة، وعندما تعرضت قطر لهجمات من إيران ثم من إسرائيل العام الماضي لم تفعل أمريكا شيئا، الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة حول جدوى الاعتماد الأمني بالكامل على الولايات المتحدة.
ومن هذه التساؤلات تبلور إدراك عام لدى دول الخليج بأن الالتزام الأمني الأمريكي ليس قويا ولا موثوقا به، ما دفعها إلى تنويع شراكاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين وأوروبا على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي، وفي مجال التقنيات العسكرية والأمنية، كما بدأت تتبني سياسة إقليمية انتهت بالتصالح مع إيران وإعادة تنسيق علاقاتها وتنويع تحالفاتها الإقليمية، مع الاحتفاظ بالتحالف مع الولايات المتحدة.
وعندما اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وجدت دول الخليج نفسها مستهدفة بالصواريخ والمسيرات في حرب ليست حربها، وتسدد أثمانا باهظة لتحالفاتها الأمنية مع واشنطن، وللقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أرضها، وطوال حرب الأربعين يوما لم تكن هذه الدول تراقب مسارات الصواريخ فحسب، بل كانت تراقب أيضا ردود الفعل الأمريكية إزاء التزاماتها الأمنية، وخرجت تصريحات وتغريدات لنخب خليجية تبدي فيها استياءها من اندفاع الرئيس ترامب إلى الحرب، التي وصفوها بـ (حرب نتنياهو)، دون النظر لمصالح دول الخليج والأضرار التي لحقت بها، واهتمام الدفاعات الأمريكية بالتصدي للصواريخ المتجهة إلى إسرائيل أكثر من اهتمامها بالصواريخ المتجهة إلى الحلفاء الخليجيين.
ونشرت شبكة (بي بي سي) البريطانية تقريرا يوم الخميس الماضي قالت فيه: “هناك شعور في بلدان الخليج بأن الدعم الأمريكي لم يكن متناسبا مع التهديد الذي تعرضت له، ويخشى الخليجيون حاليا من تخلي الولايات المتحدة عنهم في صفقة مع إيران لا تراعي مصالحهم، ويخشون أيضا من تجدد الحرب وتعرضهم لمزيد من الهجمات، ولهذا اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها مع الصين والهند وروسيا وفرنسا وألمانيا في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، وبدرجة أقل في المجال الأمني والدفاعي، وخلال الحرب أبرمت كل من السعودية والإمارات وقطر اتفاقيات مع أوكرانيا للحصول منها على مسيرات حربية وتقنيات للحرب الأليكترونية واعتراض المسيرات”.
وذكر موقع أكسيوس الإخباري مؤخرا نقلا عن مسئولين إسرائيليين ومسئول أمريكي أن “إسرائيل زودت الإمارات بنظام دفاع جوي (على طراز القبة الحديدية) وأطقم الجنود اللازمة لتشغيله”، وقال أنور قرقاش الوزير الإماراتي السابق في حوار مع وكالة (بلومبرج) في 17 مارس الماضي إن “مهاجمة إيران لدول الخليج دفعت هذه الدول إلى التقارب أكثر مع إسرائيل والولايات المتحدة”.
ويبقى السؤال: هل سيؤدي الإحباط الخليجي إلى إعادة النظر في التحالف الأمني مع أمريكا؟
يقول تقرير (بي بي سي): “المرجح أن يكون اعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة في المستقبل أكثر صرامة، ووفق المزيد من الشروط، لن تسير البلدان الخليجية باتجاه طلاق استراتيجي مع أمريكا، بل نحو نسخة أكثر حذراً ونفعية من العلاقة ذاتها، والتقييمات السعودية حالياً تؤكد الحاجة إلى استقلالية إستراتيجية تضمن تعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية ومنظومات الدفاع الجوية وزيادة التنسيق بين المؤسسات الخليجية ضمن مظلة أمريكية، فالحرب الحالية ستقوي اعتماد الدول الخليجية على أمريكا لعدم وجود بدائل واقعية، لكنها في الوقت ذاته ستضعف الثقة فيها؛ ستبقى الشراكة لكن مع تطعيمها وتنويع المنظومة الأمنية من مصادر أخرى”.










